تحب أمريكا أن ترى نفسها كبلد يفتح أبواب الجامعات على مصراعيها للجميع، حيث يستطيع الجميع أن يحصلوا على درجات جامعية من خلال العمل الجاد والجدارة الأكاديمية، وحيث الدعم العام للتعليم العالي قناعة لا تقبل الجدل لكن الحقيقة ليست كذلك. فالأبواب مشرعة أمام المحظوظين والمتميزين، لكن الفرصة تضيق بشكل كبير أمام الذين هم أقل حظا. ونظام التعليم العالي في أمريكا يخذل الطلاب إلى حد كبير.
خلال جيل واحد فقط، تحول المجتمع الأمريكي من أكثر المجتمعات تعليما في العالم إلى مجتمع يأتي في المرتبة الثانية عشرة من حيث نسبة الذين يتخرجون ويحصلون على درجات جامعية.

نظام طبقي

التعليم الجامعي يتحول إلى نظام طبقي حيث توجد طبقات منفصلة وغير متساوية تأخذ طلابا من خلفيات اقتصادية – اجتماعية مختلفة وتتركهم وهم أقل مساواة فيما بينهم من اللحظة التي سجلوا فيها في الجامعات.
حتى فترة السبعينات من القرن العشرين، كانت الولايات المتحدة تتمتع بتاريخ تفخر به في مجال تشجيعها للتعليم العالي لجميع مواطنيها، عبر ما يسمى بـ”قانون موريل” وكذلك برنامج المنح الدراسية “بيل جرانتس” الذي يقدم دعما ماليا للطلاب الفقراء، وغيرهما من الأنظمة التي مكنت الأمريكيين من جميع الطبقات الاقتصادية وكل ألوان الطيف الاجتماعي من إكمال تعليمهم الجامعي، وهذا الذي مكن الولايات المتحدة أن تصبح الدولة الرائدة عالميا من حيث نسبة الخريجين الجامعيين.
ولكن منذ 1980، توقف التطور في ذلك الاتجاه، ولم يعد الشبان من العائلات الفقيرة وحتى من ذوي الدخل المتوسط يملكون الفرصة نفسها لإكمال تعليمهم الجامعي مثل أبناء الطبقة الغنية.
وحتى عندما يسجل هؤلاء الطلاب في الجامعات، يضطرون لاختيار تخصصات غير مرغوب فيها، وكثيرا ما ينتهي بهم الأمر إلى ترك الجامعات دون إنهاء تعليمهم الجامعي بسبب ضغوط مالية، وغالبيتهم يحمل على عاتقه عبئا قاسيا من الديون.

زيادة الفجوة

وماذا عن الدعم العام؟ تقول الكاتبة سوزان ميتلر في كتابها المثير للجدل “درجات عدم المساواة” إن التآزر بين الحكومة الفيدرالية وحكومات الولايات الذي دفع التوسع القياسي للتعليم العالي في القرنين التاسع عشر والعشرين، يكاد يختفي تقريبا، وهذا التوجه في السياسة العامة على مدى ربع القرن الماضي فاقم المشكلة وزاد الفجوة بين الأغنياء والفقراء، مما يقوض النظرة المثالية إلى الجامعة كمحرك يدفع الحراك الاجتماعي نحو التطور والرقي.
وتضيف ميتلر وهي خبيرة مشهورة في العلوم السياسية، إن نظام التعليم العالي توغل في الاتجاه الخاطئ لدرجة جعلت “الحلم الأمريكي” بعيد المنال عن كثيرين في الولايات المتحدة.
وتبين الكاتبة كيف أن الشراكة السياسية ألقت بظلالها على التزام أمريكا بتقديم فرص متساوية في التعليم العالي.
ومع خضوع رجال السياسة الأمريكيين لمصالح الشركات الكبيرة، يستفيد أصحاب الجامعات الخاصة الربحية، ولكن هذا يجعل كثيرا من الطلاب الجامعيين يلجؤون للقروض المالية لإكمال تعليمهم، ليجدوا أنفسهم في نهاية المطاف يرزحون تحت عبء كثيرا ما يمنعهم من متابعة تعليمهم الجامعي.
وفي نفس الوقت، حولت الجامعات الحكومية العامة عبء التكاليف المتزايدة على الطلاب.
وعلى مدى معظم مراحل التطور التاريخي للولايات المتحدة، كانت ممارسات الحكومة غالبا ما تعزز النظرة المثالية للجامعات.

صيانة وحديث

وتقول ميتلر: المشكلة ليست في إلغاء أو التخلي عن سياسات مهمة؛ على العكس، بقيت هذه السياسات سليمة لكنها كانت بحاجة إلى صيانة وتحديث.
تصاعد الاستقطاب الحزبي أعاق ذلك العمل الهادئ والمهم في نفس الوقت.
والنتيجة التي توصلت إليها ميتلر هي أن شلل الكونجرس كان له أثر كبير بشكل خاص على التعليم العالي لأن الجامعات والكليات لا تستطيع أن تنمو وتزدهر دون دعم فعال من الحكومة الفيدرالية.

زيادة العبء

في نهاية هذا الكتاب الشيق الذي فاجأ الكثيرين، ترثي الكاتبة تقليص الاستثمارات الحكومية في الجامعات، والتوجه نحو تخصيص التعليم الذي سبب زيادة عبء الرسوم على الطلاب الذين لا يستطيعون تحملها.
الانقسام الإحصائي بين الطبقات الأمريكية يثير أسئلة حول حصة المواطنين الأمريكيين في التعليم العالي في وقت ازداد فيه قلقهم من ارتفاع تكاليف التعليم الجامعي.
ويقول أحد النقاد إنه ربما يكون من المبالغ فيه القول إن السياسة “خربت الحلم الأمريكي” كما تقول ميتلر في عنوان كتابها، لكن من العدالة طرح السؤال: ماذا يفعل القادة السياسيون لتحقيق ذلك الحلم؟

الكتاب: درجات عدم المساواة: كيف أفسدت سياسة التعليم العالي الحلم الأمريكي Degrees of Inequality: How the Politics of Higher Education Sabotaged the American Dream الكاتب: سوزان ميتلر Suzanne Mettler الناشر: بايسيك بوكس،


أوباما ونقطة تحول موقوفة

تركز سوزان ميتلر مؤلفة كتاب “درجات عدم المساواة: كيف أفسدت سياسة التعليم العالي الحلم الأمريكي”، على قضية القروض الفيدرالية لطلاب الجامعات، ومنح “بيل جرانتس”، و”جي آي بيل”.
وتتساءل ميتلر عن مدى فعالية الإعفاءات الضريبية الدراسية، وتحدد نقطة تحول في بداية تسعينات القرن العشرين، عندما برز الحزب الجمهوري كداعم لسياسة منح قروض للطلاب اعتمادا على البنوك، بينما برز الحزب الديمقراطي كداعم لسياسة الإقراض الحكومي المباشر للطلاب.

تعاطف واضح

الجمهوريون قالوا إن النظام الذي يعتمد على البنوك يقدم للمستهلك خدمات أفضل وخيارات أكثر، فيما قال الديمقراطيون إن الإقراض الحكومي المباشر يوفر أموال دافعي الضرائب.
في إطار حديثها عن هذه المرحلة التاريخية، يبدو واضحا أن الكاتبة تتعاطف أكثر مع وجهة نظر الحزب الديمقراطي، رغم أنها تذكر أن جورج بوش الابن، وهو من الحزب الجمهوري، وقع قانونا هاما لمساعدة الطلاب 2007.
تنتقد الكاتبة أيضا تحالفا بين الحزبين في واشنطن سهل بروز الكليات الربحية في أواخر تسعينات القرن العشرين وبدايات العقد الأول من القرن الـ 21.
هذه الكليات والجامعات الربحية الخاصة تلقت انتقادات كثيرة بسبب دفعها كثيرا من الطلاب إلى الغوص في دوامة القروض التي لا يستطيع كثير منهم دفعها فيما بعد.
وتقول ميتلر إن توسع هذا القطاع جاء نتيجة لسوء ترتيب أولويات الحكومة الفيدرالية.

ملء الفراغ

الجمهوريون وبعض الديمقراطيين النافذين يقولون إن الكليات الربحية الخاصة تملأ فراغا وتلبي ضرورة مشروعة، لكن الكاتبة تناقض ذلك قائلة إن مصالح الشركات ورجال الأعمال الذين دفعوا كثيرا من الأموال في إطار ضغوطهم وتبرعاتهم للحملات الانتخابية تغلبت على مصالح الطلاب العاديين.
وتقول ميتلر إن نقطة تحول أخرى جاءت عندما انتُخب باراك أوباما رئيسا للولايات المتحدة في 2008.
في بدايات فترته الرئاسية الأولى، ضغط أوباما وحلفاؤه في الكونجرس من أجل تمرير توسعة هامة لبرنامج منح “بيل جرانتس” وإصلاح شامل للسياسة الفيدرالية في مجال القروض الطلابية.
لكن استعادة الحزب الجمهوري للسيطرة على الكونجرس في 2011 قيدت طموحات الرئيس أوباما التشريعية.
ومع ذلك، لا يزال الرئيس الأمريكي يتحدث عن رغبته في القضاء على عدم المساواة في الفرص بين الأمريكيين.
في شهر يناير الماضي، قرأ الرئيس أوباما إحصاءات مذهلة في اجتماع في البيت الأبيض مع رؤساء الجامعات: 30 % فقط من الطلاب أصحاب الدخل المنخفض يسجلون في الجامعات مباشرة بعد إنهاء التعليم الثانوي.
والأسوأ من ذلك، أن 9 % فقط يحصلون على شهادة جامعية وهم في منتصف العشرينات من عمرهم.


قوانين أنعشت التعليم للجميع

تلقي سوزان ميتلر مؤلفة كتاب “درجات عدم المساواة: كيف خربت سياسة التعليم العالي الحلم الأمريكي”، الضوء بشكل خاص على القوانين والأنظمة التالية التي ساعدت على ازدهار مبدأ التعليم العالي للجميع:

- قوانين منح الأراضي ساعدت على إطلاق الجامعات العامة 1980/62

- عام 1944 قانون إعادة تكيف الجنود دعم الرسوم الجامعية للجنود العائدين من الحرب العالمية الثانية.

- عام 1972 تأسيس منح “بيل جرانتس” الازدهار الذي شهدته البلاد ودعم الحكومة الفيدرالية للأبحاث.

- الفترة بين 1980/60  ذروة التعليم العالي الشامل، إذ شهدت ازدهارا غير عادي لانتشار كليات خدمة المجتمع والجامعات العامة في شتى أرجاء الولايات المتحدة.

- عام 1970 أخذت البد منعطفا محافظا في ذلك العام مع فوز رونالد ريجان بفارق كبير في انتخابات رئاسة الواليات المتحدة.

 

- عام 1980 انفصلت جامعة "جورج مايسون" عن جامعة فجينيا ، وأثبتت وجودها كقوة عامة هامة في شمال فرجينيا ، وولدت جامعة مقاطعة كولومبيا من دمج 3 كليات مع بعضها كمرحلة اولى.