منذ مطلع ثورات الإنسان العربي الحديثة ونحن نسمع من أبناء أوروبا عقوبات تهدد ذاك البلد أو هذا، معتمدين على ثقتهم في أنفسهم بأنهم المعشوقون في كل بلاد العرب والمسلمين وويل للعاشق إن توعده معشوقه بالهجر والبعد.
وسلوك عصبة الأمم الأوروبية في التصريحات الملوحة بالعقوبات وتحديد بدء التطبيق وتجديد العقوبة وتشديدها غرس ثقافة عقوبات العالم الجديد التي تنعكس على الممارسات المجتمعية والسلوكية والتنظيمية للأفراد والمجتمعات من جراء الإعلام المفتوح، فلن يكون غريبا أن يهدد صاحب شقة جاره بعقوبات من هذا النوع إن هو استمر في رفع صوت التلفزيون في وقت متأخر من الليل، ويقول له: إن لم ترتدع عن عملك المؤذي فسأصدر قرارا بمنعك ورموز عائلتك من زيارتنا، وقد أتشاور مع زوجتي في طرح مسودة قرار على مجلس العائلة لإيقاف كافة أشكال التعاون الاقتصادي والاجتماعي معكم، فلا استعارة للأواني المنزلية، ولن تحظى ابنتك الصغرى بدروس خصوصية مجانية من زوجتي، ولن أمنحك قروضا إضافية كما كنت أفعل معك، بل وقد أزيد من قيمة الفائدة على مديونياتك السابقة. وفي غضب محبوبة من حبيبها ستهدده بوقف شحن جواله وربما استخدام أدلة حب مادية في شكل أركان جريمة مؤكدة.
في الماضي كانت الدول تعبر عن غضبها من دول أخرى بقطع العلاقات وسحب السفراء، وكان الناس على دين سياساتهم يعبرون عن غضبهم بقطع العلاقات الاجتماعية في صورة فجائية غير قابلة للتفاوض، أما اليوم فالنكهة اختلفت.
وفي نفس الوقت لم يعد “الخصام” عقابا وحيدا، فلا يكفي أن تترك شخصا وشأنه ولا يكون لك صلة به، بل لا بد من أن تكون لك قبيلة أو فصيلة أو جماعة أو تجمع يتبنى قرارك وينصرك على من عاداك باتخاذ ذات موقفك تجاه من تكره ومن تحب، فما الفائدة أن تكون صديقا حميما “لفتوات” الحارة وهم لا يساهمون معك في تكسير رأس من أوقف سيارته في موقفك الخاص دون إذنك؟
لن أكون مندهشا لو سمعت بأن “أوروبا” تهدد قرية صغيرة في صحراء مالي بقطع خدمات “الإنترنت” أو منع السحب من التكون فوق سمائها بتقنية حديثة إن هي استمرت في منع الأبقار من السير في الشوارع على حريتها واستمرت في حبسها في حظائر تحرمها من حريتها الحيوانية المكفولة لكافة الكائنات الحية في العالم، بل ستمنع رعاة البقر فيها من الحصول على تأشيرات دخول لدول الاتحاد الأوروبي.
كما أنني لن أستبعد أن يصدر بنك محلي في دولة عربية قرارا بتجميد رصيد مواطن لأنه رفض السماح لابنه الصغير بالذهاب إلى مركز لتعليم الثقافة الجنسية، ومن المتوقع أن تعدل القوانين القضائية والقانونية بحيث تحتوي على فصول ومواد تحمل اسم “العقوبات الأوروبية البديلة”، لأن أوروبا أعلم وأدرى بما يحتاجه الإنسان ولو بعد حين، لأن المثل العامي في الحجاز يقول “مرد الأقرع بياع الطواقي”.
سيفعل الزوج أيضا مثل فعل “فرنسا” التي درس فيها أو “بريطانيا” التي زارها مرارا وسيقوم بوقف العمل باتفاقية الزواج مع زوجته ريثما يتم حل موضوع انتهاكها لحقوق الأزواج بمنع التدخين داخل المنزل، وستشعر هي حينها رغم ألمها البالغ من آثار العقوبة بأن زوجها حضاري التصرفات راقي الانفعالات لأنه انصاع لطلبها حين قالت له “عاقبني بنكهة أوروبية”..
ولعلي أقول لمن يقرأ لي “قل لي ماذا تحتاج، أقل لك ما هي عقوبتك”.