إحدى معضلات المنظمات الحكومية وغير الحكومية تكمن في غياب القائد المحترف الذي يملك الشجاعة، والجرأة، والثقة بالنفس، والمهارة الاجتماعية، وللقادة المتميزين أثر ملموس في جميع نواحي الأداء التنظيمي للمؤسسة، وتكلفة فشلهم باهظة الثمن، وأضرارها غير قابلة للإصلاح، وأخطاؤهم قد تقود إلى انهيار المؤسسات وخسائر كبيرة، وفي أسوء الحالات يجرّون المجتمع معهم إلى الهاوية.
وبين القادة المحترفين والقادة المنحرفين كما يسميهم “أدريان فورنهام” في كتابه “الفيل في غرفة مجلس الإدارة ..أسباب انحراف القيادة” فروقات كبيرة وجذرية لا يمكن القبول بها، في عصر المنافسة الشديدة، والتحديات الكبيرة التي تواجه المنظمات في عصر العولمة، والشركات متعددة الجنسيات؛ فالقادة الفاشلون والمنحرفون عن المسار السليم لا ينجزون، ولا يحققون النتائج المطلوبة، تتصف قراراتهم بالضعف، ويميلون إلى المراوغة والهروب، لا يطبقون الأساليب الإدارية الجيدة، يعانون من وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ولا يعالجون ضعف الأداء، مشكلتهم الكبرى تكمن في التواصل مع الناس.
والقـادة المنحرفـون يفتقرون كما يقول “فورنهام” إلى واحد مـن أربعة مجـالات للمهارات: الباطنيـة أو الداخلية كالنضـج العاطفـي والوعـي بالذات، ومهـارات العلاقات بين الأشـخاص، ومهارات القيـادة، والمهارات العمليـة، وغياب أي من هذه المهارات يصعب تعويضه، وله تأثير متعدد ومتشعب يمتد إلى كل نواحي المنظمة، فالذين يعانون من ضعف في المهارات الداخليـة يميلون إلى أن يكونـوا طموحين للغاية، ولكـنهم غـير قادريـن عـلى التكيـف مع طموحاتهم، فيما يعيش ذوو المهـارات الاجتماعيـة الضعيفـة صراعا مـع الإدارة لضعف مهاراتهـم السياسـية، وفي المقابل يكون ذوو المهـارات القياديـة الضعيفـة مديرين ضعفاء، أو مديريـن متحكمـين يبالغـون في التركيـز عـلى تفاصيل العمـل، فيما يكون الضعف في إعداد الاسـتراتيجيات والاتصـال وأداء المهمات أبرز سمات ذوي المهـارات العملية الضعيفـة.
ويخلـص فورنهام أستاذ علم نفس الإدارة في جامعة لندن بالمملكة المتحدة إلى أن قـادة الأعـمال العظـماء المحتملـين، لو قُدر لهـم أن يصبحـوا ذوي قيمة عاليـة أو موهوبين أو لديهـم قـدرات لجـذب الانتبـاه إليهم وترقيتهم، قد ينحرف مسارهم، ويتحولون إلى قادة منحرفين وفاشلين وغير أكفاء، ويؤكد أن المديريـن الجيديـن يسـعون بشـكل نشـط لطلـب التغذيـة العكسـية مـن المراقبـين الأمنـاء الموثوق بهم، وينشـدون فـرص النمـو والتطور والتعلـم، كما يسـعون للحصول على التوجيـه الرسـمي أو غـير الرسـمي أو الإرشـاد لمسـاعدتهم في العبور خلال فـترات التغير أو الانتقـالات الحادة.
فيما لا يفعـل المديرون المعرضـون للانحراف عن المسـار ذلك؛ نتيجة للغـرور والقلق أو الافتقـار إلى الحكمـة، ورغـم أنه يمكـن أن يتـم إخضاعهـم لبرامج قصـيرة في القيـادة، فإن قليلـين منهم يرون أن مثـل تلـك البرامـج ذات تأثير حيـوي في تطورهـم، وأنهم بحاجـة إلى فرص لاختبار أسلوبهم، ونقـاط قوتهم وضعفهـم، مع تغذية عكسـية مكثفـة وصادقة في إعداد الاسـتراتيجيات والاتصـال وأداء المهمات.
كما أن المسؤولية عن الانحراف داخل غرفة مجلس الإدارة لا تقتصر على المديرين وحدهم، فإن لاتباع هؤلاء المديرين دوراً في الانحراف عن المسار؛ فبعضهم يتآمر بطريقة غير نزيهة من خلال صرف التركيز عن القضية الرئيسية الأولى بالاهتمام، وآخرون يطالبون بأكثر مما يمكن للأفراد تلبيته ويحملونهم أعباء غير قابلة للتحقيق، وغيرهم يثيرون ضغوطاً كبيرة قد تجعل القادة ينهارون تحت وطأتها.
وفي سياق هذه الوصفة النفسية والاجتماعية والاقتصادية التي قدمها فورنهام للقادة المنحرفين وأسباب انحرافهم، يمكن أن نرجع المشكلات الإدارية الكبيرة التي تعاني منها المنظمات الحكومية وغير الحكومية، وتعثر خططها ومشاريعها، إلى غياب القائد المحترف، أو تولي القادة المنحرفين دفتها مما أدى إلى تعثر هذه المنظمات، فنجاح المنظمات، والرقي بخدماتها لا يمكن أن يحدث إلا في وجود قادة محترفين ومميزين.
كم نفتقد مثل هؤلاء القادة المحترفين والمميزين، كما أن الموجود منهم عصفت به رياح النرجسية والسكوباتية، والميكافلية حتى انحرف عن المسار السليم، وخرج من دائرة الاحتراف إلى الانحراف.
وللخروج من أزمة انحراف القادة عن المسار السليم، فإننا بحاجة إلى إعداد قادة قادرين على تقويم المواقف، وتحليل البيانات، والاتجاهات وإعداد الخطط وإتقان التكنولوجيا الحديثة واتخاذ القرارات الحكيمة في الوقت المناسب، وأن تكون الترقيات وتولي المناصب على أساس الكفاءة وليس الولاء والتبعية، بما يضمن قدرة المنظمات على تحقيق أهدافها، واستعادتها حيويتها وطاقتها، وقدرتها على تقديم الخدمات بجودة عالية.
انحراف القادة في المنظمات
محمد العوفي4 دقائق للقراءة

حجم الخط
