ولو شاء ربّكَ أن يجعلَ العقولَ: «معطلةً»؛ لكانت أحكامُ شريعته كلّها -أو غالبها- قطعيّةً مِن حيثُ دلالتُها، وذلك أنّ: «الظنّيَ» وحده مِن الأحكام الشرعيّة، الذي ألفينا معها: «العقل» وهو لا يفتأُ يُحرّض على العملِ، ابتغاء التوصل -ولو على سبيلٍ من المقاربة- إلى مرادِ الله تعالى مِن نصوصه.
وبهذا الاعتبار تتألق ثنائية: «النقل والعقل» بصورةٍ من التآخي، الذي ليس من شأنه استدعاء العملية المتكلفة بـ»الدرء»، إلا في ذهنيّة من افترض قبلاً -وعلى نحو من الخصومة- التعارض فيما بينهما!ومَن قَصُر حظّه مِن «العقل الفقهي» ارتخت بالضرورة المعرفيّةِ أدواتُه الاجتهاديّة، وتيبّست أقواله، وظلّ تالياً لا يُرى -إبان تصدرّه للفتوى- إلا متبرماً مِن كلّ اختلاف لا يتفق مع ما إليه ذهب.
وإنّ كثيراً ممن ابتلينا بهم تصدّرا وفُتيا، لم تكد أنوفهم أن تشتم الفقهَ؛ إذ لم يعرفوا «الاختلاف» نازله وعاليه، وليس بخافٍ أنّ المراد بالمعرفةِ هاهنا وَفقَ معناها الأوسع، وليس هو محض الاطلاع نظراً من دون سَبْر، وعليه يُحمل قول قتادة وهشام بن عبيدالله الرازي وسواهما.
وحسبك إذن، بأنّ جريرةَ مَن لم يعرف «الاختلاف» من شأنها أن تنتهي به -من حيث لا يدري- تأليّاً على الله تعالى، ذلك أنّه قد أدرجَ ما كان: «ظنيّا في دلالته» من الأدلة الشرعية في حكم ما كان منها: «قطعياً»، وهو بفعله هذا إنما حجّر واسعاً من رحمة العزيز الحكيم.
وبكلٍّ، فإن الدليل الظنيّ الذي يتوافر بكثرةٍ في أحكام الشريعة؛ إنما جاء -على وجه التحقيق- ليكون رحمةً للأمةِ، ودفعا للمشقّة، ورفعا للحرج، وتوكيداً للتآلف الذي يحقق مقاصد الشريعة من حيث التوّاد والاجتماع.
ولعلّ عمر بن عبدالعزيز (الخليفة الفقيه) أراد ذلك حينما: «اجتمع والقاسم بن محمد، فجعلا يتذاكران الحديث، قال: فجعل عمر يجيءُ بالشيء يخالف فيه القاسم، قال: وجعل القاسم يشق ذلك عليه، حتى تبين فيه، فقال له عمر: لا تفعل، فما يسرني أن لي باختلافهم حمر النعم».
وإلى ذلك أقام «الشاطبيّ» سفره «الموافقات» على هذه الرؤية المسدّدةِ ويسعني الجزم بأنّ مفتاحَ شخصيّة: «الشاطبي» لِمن ابتغى فهمه والتعامل مع كتبه بوعي هو قوله: «إن جماعة من السلف الصالح جعلوا اختلاف الأمة في الفروع ضربًا من ضروب الرحمة، وإذا كان من جملة الرحمة، فلا يمكن أن يكون صاحبه خارجًا من قسم أهل الرحمة».
ولقد كان «الجويني» مِن قَبلِه في المرصاد لمثلِ هذا التكلّف الذي أرهقنا به بعضٌ مِن حملة الفقه ممن يبتغون توجيه الأدلة الشرعية من خلال الفروع الفقهية الجزئية حيث قال: «وأما الفقهاء فلا أرى لهم كلاما مرضياً يعوّل على مثله في ابتغاء القطع».