يخال البعض أننا حينما نتحدث عن المدن القديمة أننا نسيء فهم التطور الذي تعاصره مدننا اليوم ونتنكر لهذه التقنيات التي أتيحت لنا من خلال التقنيات، والتي استفادت منها معيشتنا في المدن بعكس ما كان موجودا في أزمنة سابقة.
فهل حقا نحن لا نرغب في الخروج من قوقعة المدن القديمة التي كنا نعيش بها كما نتهم بذلك؟ وهل فعلا أن المدن القديمة مدن متكررة في كل شيء؟ وهل التطور للمدن بشكلها الحالي يلبي احتياجاتنا ويرقى بحضارتنا كما يراد أن نقتنع بذلك؟ أسئلة كثيرة تجول في خواطر وعقول الكثيرين من المهتمين بدراسة المدن والمجتمعات، وكذلك من الذين يعتقدون بعدم أهمية المحافظة على المدن القديمة أو التراث المادي أو الموروثات الشعبية ويرون أنها تراجع عن التقدم وخشية وخوف غير مبرر من التطور، ولكن أليس الواقع اليوم يحتم علينا كمجتمعات فعل ذلك؟ ولنعد بالذاكرة قليلا إلى مدننا القديمة وأسواقها على سبيل المثال، فأسواق المدن القديمة كانت محصورة في مواقع محددة من المدينة وعلى ممرات أخذت في الاعتبار عند تخطيط المدينة أو عند التطور الطبيعي لها، فسيطرت المدينة بذلك على الأسواق فيها، وكانت لها في ذلك فوائد متعددة وحتى هذه الأسواق لم تكن عشوائية كحالها اليوم، فكان لكل صنعة سوق محدد ومواقع محددة وأيام محددة ولها أعرافها والتي وفرت للمجتمعات فوائد جمة من تبادل للمنافع بين أفراد المجتمع والحد من أي مطامع وجشع ومحاربة الاحتكار وخلافه.
فمثل هذا الحصر للأسواق وللتجارة في نشاط أو صنعة معينة كانت له فوائده التي لم يبحث حتى اليوم عن أهميتها ومدى تأثيرها على المدن والمجتمعات، وكذلك استفحال حاضرها لعدة أسباب منها دخول الأسواق العالمية الكبرى والتقنيات الافتراضية الحديثة والتجارة الالكترونية الحرة والدولية وتداول مفاهيم تجارية حديثة.
ما قصدته من خلال طرح مثال كأسواق المدن أننا ومن خلال عشوائية التخطيط التي أصابت مدننا وتمسكنا المستمر ببعض النظريات التخطيطية التي لم تراع فيها بيئتنا ومجتمعنا وباعتمادنا على تلك النظريات بشكل كامل ومحاولة تكرارها في كل مدننا، وفي ظل وجود تطور متسارع للتقنيات أدى إلى إصابة مدننا بالترهل في كثير من النواحي الحياتية ومنها التجارة على سبيل المثال، فما زالت مدننا تبحث عن هويتها ضمن ذلك كله بحثا عن القاعدة الصحيحة والأرضية الصلبة من خلال تاريخها وعراقتها لتحقق الوثبة الحقيقية التي تسمح بالتطور فيها ضمن احتياجاتها الواقعية التي تعبر عنها بالشكل الصحيح.
صراعنا مع التغييرات الكثيرة التي تحدث في مدننا اليوم كان بالإمكان تجنبه لو كنا أكثر تمسكا بالنتيجة الطبيعية والمحصلة التي تفرزها المدن باتساعها لتسمح المدينة لنفسها بالتجدد الطبيعي وترك القديم غير مناسب لها وذلك بشكل مستمر لا تتأثر به المدن أو المجتمعات.
إن لكل مدينة قصة وحكاية ترويها عبر أزمنة وعصور وأمم وحضارات مختلفة فدعونا نسمح للمدينة أن تروي كما تريد لا كما نريد نحن.
المدن النمطية
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
