التدريب مهم لا شك في ذلك، لكن لدينا التدريب أخذ منحى آخر، لا أدري هل أقول عنه إنه طريف أم (عبيط)؟ وقبل أن أُشرع باب الأسئلة -التي هي أقصى ما أملك- سأضرب (بهدوء) بعض الأمثلة على مراكز و(أكاديميات) التدريب المنتشرة جنباً إلى جنب مع (مطاعم البخاري)، فمثلاً أعلن قبل أيام مركز سنرمز له بـ (سين) عن دورة تدريبية بعنوان (مهارات كتابة المقال الصحفي)، وفي أعلى (بروشور) الإعلان وضُع اسم وشعار (مؤسسة التعليم الفني والمهني) أي أن الدورة تحت إشراف مؤسسة رسمية، لكن اللافت في الإعلان هو اسم مدرب الدورة، فتخصصه الأصلي (معلم رياضيات)، هذا مؤهله الحقيقي، أما المؤهلات غير الحقيقية فهي ماجستير ودكتوراه (وهمية)، ولأن البعض يخلط بين الجامعات الوهمية والجامعات غير المعترف بها، فإننا نقول إن غير المعترف بها هي جامعات حقيقية لها مقر وهيئة تدريس و...إلى آخره ،لكنها غير مصنّفة ومتعمدة لدى وزارة التعليم العالي السعودية، أما الوهمية فهي جامعات غير حقيقية، فهي عبارة عن (ايميلات) تتواصل معهم وتدفع لهم تكاليف الدراسة، وفي أقل من أسبوع تحصل على الماجستير والدكتوراه حسب التخصص الذي يريده (الزبون) وحسب الرغبة في تحديد سنة التخرج، ومن أشهر هذه الجامعات (الجامعة الأمريكية في لندنAUOL،جامعة كولومبوس،جامعة السفير،جامعة ليبرتي..وغيرها)، المدرب للدورة السالفة الذكر هو من أشهر خريجي إحدى هذه الجامعات، وهُنا يُطل السؤال برأسه باستفهام يمزج بين التساؤل غير البريء والسخرية: هل الجهة الرسمية المشرفة تعطي للمعاهد الحرية في اختيار من يُقدم هذه الدورات، ويستغل بذلك اسم المؤسسة، أم إن المؤهل ليس ضروريا للتدريب، ويكفي أن يكون المُدرب كاتبا صحفيا أو مقدم برنامج تلفزيوني كي يكون مدرباً؟وهذه قصة مشابهة للقصة أعلاه، لكنها أكثر طرافة وسخرية، ففي أحد المهرجانات بمدينة حائل دعا المنظمون أحد الشعراء المعروفين لإقامة أُمسية على هامش المهرجان، لكن الشاعر بالغ في طلب المقابل المادي لإقامة الأمسية (من وجهة نظر المنظمين)، وبعد مداولات بين الشاعر والمنظمين توصلوا إلى اتفاق يرضي الطرفين، حيث يقيم الشاعر الأمسية دون مقابل مادي، شرط أن تُقام دورة (للشاعر) في أحد المراكز التدريبية ليكون هو المدرب في دورة (الإلقاء ولغة الجسد) وبالفعل تم ذلك، وأُقيمت الأمسية والدورة للدكتور في (قسم البلاغة والنقد سابقاً)!أمر التدريب (الساخر) ليس مقتصرا على هذه الدورات التي تحمل شعار المؤسسة، بل إن الأمر تعدى ذلك فانتشرت مراكز التدريب في (الانترنت)، ومن هذه المراكز من يحمل شعارات لمؤسسات حكومية أُخرى، ولا أدري هل هذه المؤسسات على علم باستغلال اسمها أم لا، فمثلا معهد يحمل شعار (الرئاسة العامة للأرصاد وحماية البيئة) ويمنح دورات كثيرة لا علاقة لها بالأرصاد وحماية البيئة، بل إنه يمنحك شهادة بمسمى (مستشار أُسري، ومحكّم دولي، ومدرب دولي معتمد) من خلال موقع الكتروني لا يلزمك إلا أن تجيب على بعض الأسئلة التقليدية بدقائق لكي يخبرك باجتياز الدورة، ويقوم بإرسال الشهادة لك بعد دفع الرسوم بالطبع!السؤال: من المسؤول عن هذا العبث الذي يجري أمام أعين الجميع، وهل أصبح القانون متسامحاً ويردد مع المجتمع (يا خي خل الناس تعيش)!، والسؤال الأهم :ما هو السر وراء تهافت الشباب للتسجيل في هذه الدورات؟المسألة تتعدى الاستعراض والوجاهة الاجتماعية إلى فرص العمل، فالسؤال لطالب العمل أصبح عن طول قائمة الـ(cv) ،وليس عن ماذا ستقدّم، وأصبحت مقولة ( أن التعليم لدينا يُلقّن ولا يُدرب) فرصة لتكاثر المعاهد و(الأكاديميات) التي (تبيع) الورق المختوم تحت مسمّى التدريب والتعليم والمهنية وغيرها من المسميات البرّاقة الجاذبة والمربحة.
السؤال الكبير ليس: (لمصلحة مَن هذا العبث)؟ بل هو: (لمن نوجّه هذا السؤال؟)!
التدريب الوهمي برعاية رسمية!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
