في كتابه الجديد (الرويس) ينتقل الدكتور سعيد السريحي من الكتابة عندما تكون (موضوعا)، إلى النص عندما يمتزج بأغوار (الذات).
ما بين (الموضوع) و(الذات)..(النقد) و(الإبداع)..المقاربة المنهجية (للنص) وممارسة ذلك النص..زمن مديد من ثلاثة عقود من الزمن ونيف..وإنتاج ثري من نقد (نصوص الأدب) إلى نقد (نصوص الثقافة)، كتب من خلالها السريحي (الكتابة خارج الأقواس)..(شعرية أبي تمام)..(حجاب العادة)...(رويس)، السريحي عمل أدبي خالص (بكل ما تحمله الكلمة من معنى)، يجمع بين (الحكاية) و(السرد) ولغة الشعر الموغلة في التكثيف والمجاز.
(٧٠) صفحة فقط قارب فيها السريحي أطياف (الرواية)، كما لم تقاربها ٧٠ رواية محلية - صادرة حديثا من كل دور النشر- كان يظن أصحابها وصاحباتها، أنهم يكتبون أعمالا روائية (بتوقيعات مؤكدة)، وهم إذا كان بالإمكان أن يقال عنهم شيئ، فهم ليسوا سوى (رواة للحكايات البريئة)! المؤكد أن المتابعين للسريحي يستشفون حسا أدبيا إبداعيا، أدركه العارفون ببواطن الأمور عنه، وهو يقارب بأدواته النقدية الأعمال الأدبية المحلية، بحس شاعر (معتق)..كان قد كتب يوما في لحظة تجل خالصة للشعر: «لعل البحار التي غسلتني/تفتش عن موجها/لعل التراب الذي توج الروح/يفصح عن عشبه/لعل الذين يعودون من موتاهم ولعلي.../ثم أشرب جرحي حد الثمالة/ لاشيء أبصر/لاشيء..لاشيء..لاشيء/غير دمي والرماد».
ولأن السريحي يعرف جيدا شروط الإبداع المستحيلة..الخالصة، فقد تهيب من ولوج حماه التي تباح ولاتستباح، وهذا ماصرح به ذات مرة وهو يقول: «ربما يعود توجهي نحو النقد تعلقي بالنظرية وشعوري بالرهبة أمام الإبداع»! وحتى لا ينجرف هذا النثار إلى مفازات نقدية نخبوية، ربما ليس مجالها هذا الفضاء (العام)، فإني سأكتفي بـ (الخطوط) العريضة، التي رأيتها جلية وأنا بين الدهشة والرعشة خلال قراءتي لـ (الرويس).
ففي البدء، إن المشاهد التي اختارها السريحي لكتابة نص (الرويس)، لم تكن من تلك المشاهد المألوفة التي تتسق في ألفتها وبساطتها مع الذهنية (البسيطة)، لكنها في (الرويس) تكتسب قيمتها وغرابتها من وعي ذهنية (خبيرة) و(محترفة).نجد تلك المغايرة في وصفه لمشهد المرأة (عابدة) وهي تحتضن طفلها الميت في البحر ثلاثة أيام، خوفا من أن يرميه البحارة بحجر إلى الماء، أو مشهد شخصيات الرويس وهم يواجهون الموت تباعا بسبب الوباء القاهر، وهم يتساءلون فيما بينهم عن الذي سوف يدفن الآخر (يا ترى تدفني أو أدفنك يا منصور)..
أما الجمال الحقيقي فيكمن في تلك اللغة الرشيقة الساحرة، التي تنساب ببلاغة (مجازية) آسرة مع سرد الحكاية: «..كان يحلم بالحناء تتباهى به كفوف البنات صباح العيد..بعيون الماء مذ كانت تجري في الأرض رغدا حتى جفت عينا عينا، كلما جفت عين فاضت عليها عيون من الدمع».
كما أن تلك اللغة الباذخة تفصح عن استكناه عميق للأسلوب القرآني العظيم، شأنه شأن كل المبدعين الذين كانوا يعرفون قبل غيرهم جماليات النص القرآني أثرا وتأثرا: «يقولون ما ألقى ابن سبيل دلوه في هذه البئر إلا غارت بالماء، فإذا كان غير ذاك أصبح ماؤها غورا».
ومن جهة أخرى فإن العلاقة الشخصية الثقافية التي توطدت في الأيام الخوالي، مع الشاعر محمد الثبيتي (رحمه الله) تبرز تداعياتها في كثير من الجمل التي تفوح من مفرداتها رائحة نخيل الثبيتي وعبق رماله وتضاريسه التي لا تشبه غيرها: «هم تركوا بين الرويسين مسافة صفحة من كتاب الرمل يودعونها خطاهم كلما خرجوا للصيد».
وفي ألق لغوي آخر، نجد فيه السريحي، بطريقة ما يرسل (كاميرته التسجيلية) في زمن غابر بعيد، لينقل لنا حوارات لا عهد لنا بنداءاتها الشعبية: «والله اللي في سماه، ما هي ريحة ولدي»! ثم لوصف مسافة الرمل بين الرويس وجدة (داخل السور) تقول إحدى شخصياته: «ترى هذه الحفر ما هي كلها مناقب»، ثم «يقولون جابوها من خرابة القلل في جدة»..كذلك، فإننا نقرأ في (الرويس) حوارية مفعمة بفلسفة (اعتدناها) من السريحي كثيرا، عندما يقارب الظواهر والشخصيات والأشياء..حوارية بين (الرجل) و(المرأة)..(البدو) و(الحضر)..(المركز داخل أسوار جدة القديمة) و(الهامش الذي يمثله حي الرويس)..وإذ نجوس في تلك (الحوارية) تتجسد أمامنا المشاعر القلقة الأولى لبدوي على تخوم المدينة..المشاعر المؤرقة لإنسان استبد به الجوع، فوجد نفسه في هامش فضاء بعيد عن (مركز) الحياة الصاخبة (المخصبة) كما تتجسد المعاناة النفسية الهائلة لإنسان يرزح تحت ظل عبودية (السيد)، في زمن جمعهما معا على أبواب الفقر والجدب وكثير من الحنين.
وفي هذه الأثناء فإن السريحي لم ينس بالطبع تضمين الخيالات والأساطير التي كانت تلوح بها الرياح داخل (اللاوعي) الباطن لإنسان صادق البر والبحر ردحا من زمن قديم.
ولذلك، ومن كل ذلك، ولأجل كل تلك الإشرافات الإبداعية (السريحية) فإنني على آخر شرفة من بيوت الرويس أنادي د.
سعيد السريحي باستثمار طاقاته اللغوية والثقافية والإنسانية (الهائلة)، لكتابة (الرويس) مرات ومرات، بتجليات سردية متنوعة لفضاءات تنتظره بشغف على أبواب الحكاية والمجاز وسرد يبعث الدهشة والحنين.

