الذين يعرفون (خالد الفيصل) فكرا وثقافة، وإبداعا وإنجازا، ووطنية وإدارة، وحضورا ووعيا، وفراسة وفروسية، وجرأة واتزانا، وشموخا وتواضعا، وحزما وإنسانية، و...و...الخ، الذين يعرفون كل ذلك عن الرجل، يشعرون أن قدومه لوزارة التربية والتعليم تأخر كثيرا، ويعتقدون أنه كان من المناسب أن يتولاها قبل عقدين من الزمن -على الأقل- وأنا شخصيا، لما أزعمه من معرفة بالأمير، أشعر أن هذه الوزارة الخطيرة المؤثرة، هي كما قال الناظم: (فلم تك تصلح إلا له ولم يك يصلح إلا لها).
والذين كما قلت أعلاه يعتقدون أن توليه لها تأخر كثيرا، يرون أنها -أقصد الوزارة- كانت بحاجته منذ أكثر من ثلاثة عقود، منذ أن تسلط على الوطن ما سمي بالصحوة، ووجدت في التعليم ميدانها الرحب، وكان خالد الفيصل أول من تنبه لخطرها، لكن (حيل الله أقوى)، أما أنا فأظن الأمير جاء إلى الوزارة في الوقت المناسب، في عهد ملك الإصلاح عبدالله بن عبدالعزيز، فالمسؤولية من دون دعم تقتل الكفاءة وتحطم الطموح، ومليكنا - حفظه الله - لا يدخر وسعا في دعم الكفاءات، وتغذية الطموح، والفيصل يقول (إنها أغلى ثقة من أكبر رجل) في أعظم مهمة.
منذ أن تولى الأمير مسؤولية وزارة التربية والتعليم كتبت عشرات إن لم تكن مئات المقالات، بعضها مؤمل وبعضها يائس وبعضها بين بين، وخلاصتها كلها يمكن تلخيصها في (الله يعينك)، وهذه الدعوة في مفهومنا العام تعني أن الوضع (أكبر مما تستطيع)، والحقيقة أن وضع الوزارة صعب، لكن الذين يريدون معرفة ماذا سيفعل الفيصل في وزارة التربية والتعليم عليهم أن يقرؤوا كتابه الجديد عن تجربته في إمارة مكة الذي صدر بعنوان (من الكعبة وإليها...بناء الإنسان وتنمية المكان)، فالذي سيقرأ الكتاب سيعرف كيف يفكر الوزير الآن، استنادا إلى ما كان يفكر فيه عندما انتقل من إمارة عسير إلى إمارة مكة.
إنجازات الأمير في الإمارتين كثيرة وكبيرة، وفيها أسبقيات رائدة ومميزة، لكن كل هذا ليس هو موضوعي الآن، موضوعي هو فكر الأمير وطموحه وعزمه وعدم إيمانه -مطلقا- بالمستحيل، فالمستحيل هو تثبيط عزيمته، والمستحيل هو اقتناعه بأن الإصلاح (لا يمكن)، والمستحيل هو تفهمه أن التطوير والتغيير إلى الأفضل صعب، والمستحيل أن يقبلك في فريق العمل إن أشعرته أن (ليس بالإمكان أبدع مما كان)، هدوء الأمير ليس دائماً قناعة، وابتسامته ليست دائماً رضا، فهو غالبا هادئ مبتسم، لكنه قارئ ممتاز وعريق للأعين والوجوه والكلمات والحركات، وحتى اللبس والشكل والسلوكيات.
فراسة خالد الفيصل في قراءة الواقع مهما كان، وفي المؤثرين فيه ابتداء من المستفيد إلى أعلى مفيد، ليست طارئة عليه ولا جديدة على من عرفوه عن قرب، لكن من المفيد جدا لمنسوبي وزارة التربية والتعليم (مسؤولين ومسؤولات ومعلمين ومعلمات وآباء وأمهات) أن يقرؤوا كتابه الجديد، ودعوا الإنجازات، وإنما ركزوا على فكر الرجل الواضح في المقدمات والدروس، ليعرف كل كفء طامح في سفينة من هو راكب، وليعرف كل مقصر أو محبط أن الفرصة متاحة للانضمام إلى ركب الأمل والعمل والتفوق.
وغدا نكمل