قد تكون قضية حقوق المرأة وقيادة السيارات في أعلى هرم قضايا مجتمعنا وإعلامنا إلا أنها في رأيي شغلتنا كثيرا عن المرأة نفسها: المرأة كأم وكابنة! ليس هناك أجمل ولا أهم من تلك العلاقة بين الأم وابنتها وليس هناك ما يؤثر على شخصية المرأة مثل علاقتها مع أمها! نفكر دائما في الحقوق والزوجات المظلومات والمطلقات المقهورات لكننا قلما نلتفت لعلاقة هامة جدا في كل بيت! علاقة قد تكون جيدة مليئة بالصداقة والتفاهم أحيانا قد تكون مليئة بالتوتر والتعقيد في أحيانٍ كثيرة! إن المرأة التي نطالب بحقوقها المهضومة في مجال الزواج والعمل والمساواة هي نفسها المرأة التي نتجاهلها تماما قبل أن تخرج من كنف أسرتها للحياة العامة سواء تزوجت أو توظفت! يا ترى كيف حال علاقات البنات بأمهاتهن في زمن التكنولوجيا وزمن الحرية والثورات؟ علاقة شائكة تزداد تعقيدا يوما بعد يوم ككل شيء في حياتنا!ربما أرى في نفسي القدرة على التحدث بحرية عن هذه العلاقة العذبة-المعقدة لأنني مررتُ بالدورين ولا أزال أعيشهما: دور الابنة المراهقة المتمردة ودور الأم التي تحاول فرض أسلوبها على ابنتها! ! ربما لم أصل لدرجة عميقة من الفهم لأمي وكل أوامرها ونواهيها واختلافاتها عني وخلافاتها معي إلا بعد أن كبرت ابنتي التي توهمتُ ذات يوم أنني سأكون لها تلك الأم العصرية «الكوول» المتفهمة والتي ستتقبل كل ما تأتي به ابنتها المراهقة لأنها مرت بمراهقة عنيفة ثورية وربما «حميرية» إذا جاز التعبير! لكن الزمن غير الزمن!في زمن الانفتاح تجد بعض الأمهات أنفسهن يعشن في قلق ورعب مستمر على بناتهن من كل هذا الانفتاح الزائد وهذا القلق يظهر في شكل قيود ثقيلة تضعها الأمهات على بناتهن وكل ذلك بطبيعة الحال ينعكس على قوة وجمال العلاقة بين الأم وابنتها سلباً! وهناك أمهات أخريات اتخذن الطريق الأسهل واستسلمن استسلاما كاملا لكل ما يلقيه الزمن الانفتاحي على بناتهن متعذرات بأن «الهداية من الله» في تواكل وتخاذل مخزٍ عن أداء واجباتهن كأمهات لبنات في مرحلة حرجة وخطيرة جدا! وقلة من الأمهات من يحاولن جاهدات الإمساك بالعصا من الوسط وذلك بفتح باب الحوار والنقاش والأخذ والعطاء والمرونة في تغيير الرأي حول ما تطلبه البنات أو ما يطمحن إليه... ترى ماذا يحدث لنا عندما نصبح أمهات لبنات مراهقات أو شابات؟ أنا اليوم لستُ الأم التي كنتُ أتوقع أن أكونها لابنتي لأننا ببساطة شديدة من زمنين مختلفين.
لأننا ببساطة لسنا شخصا واحدا ولا عقلا واحدا ولا روحا واحدة! نحن _لا شعوريا_ نعتقد أن بناتنا امتداد لنا وربما نظن في اللاوعي أن عقولهن أيضا ملك لنا!نطالب بناتنا ببرنا واحترامنا بينما لا نحترم شخصياتهن ولا متطلبات الزمن الذي يعشن فيه.
لا نحاول الاقتراب من عالمهن وفهمهن.
لا نتعب أنفسنا لطرق باب التفهم والتعامل مع بناتنا على أنهن ناضجات «صغيرات» قد يضعن إذا لم نوجههن وندلهن على سبل التوعية الصحيحة للتعايش والبقاء في زمن يعج بالمؤثرات والملهيات والتحديات على جميع الأصعدة!إن العلاقة بين الأم وابنتها هي الأصل في تكوين شخصية ونضج المرأة! كنساء نحتاج إلى أمهاتنا لنفهم عالمنا! إن علاقة الأم بالابنة تحيطها غالبا هالة من العواطف «المقررة مسبقا» والمسلّم بها لكن لا يحيطها التقدير الحقيقي والوعي كما تقول الدكتورة لي شاركي رئيسة برنامج دراسات المرأة في جامعة (Maine) في فارمينجتون في أمريكا.
وقد قرأت منذ مدة عن تجربة جميلة قامت بها مجموعة من الأمهات في أمريكا حيث شكلن مجموعة دعم للأمهات والبنات تجتمعن فيها شهريا للتحاور بأريحية حول مواضيع مختلفة تهم البنات والأمهات.
يستمع فيها الطرفان لبعضهما بعضا.
تستمع البنات لمخاوف أمهاتهن وأسباب منعهن أو اعتراضهن على أمور معينة وتستمع فيها الأمهات لوجهات نظر بناتهن.
إن تلك الحوارات المفتوحة في حد ذاتها كفيلة بأن تقود البنات والأمهات معاً إلى مرحلة من الوعي بحيث يستطعن التعامل مع خلافاتهن بنضج بدون أن يكون لذلك تأثير سلبي على النمو النفسي للبنات وليس ذلك سهلاً لكن بدء المشي في هذا الطريق والاستمرار في الحوار حتماً سيقود لعلاقة ونفسية أفضل للأمهات والبنات معا! إن الفتاة اليوم تعيش صراعات وتحديات كبيرة فرضها عليها زمنها ونحن كأمهات نزيد الوضع سوءا بعدم محاولتنا لتفهم تلك الصراعات! تقع علينا المسؤولية الأكبر ليس في حماية بناتنا فقط، بل في تنمية شخصياتهن بحيث يصبحن إناثاً سويات يعرفن مثلاً كيف يتعاملن مع الرجل سواء كزوج أو في مجال العمل بدون خوف أوعقد أو وقاحة ولا يمكن لفتاة تربت على الرعب من الرجل أو على كرهه أن تعرف كيف تكون امرأة وزوجة سعيدة.
ولا يمكن أيضا لفتاة تربت على اللامبادئ» والأنانية وعدم الاحترام أن تعرف كيف تكون موظفة ناجحة تنفع مجتمعها وتسهم في بنائه! وكل ذلك يحتاج إلى أم متفهمة، لا أماً تتسبب في خلق المزيد من العقد والصراعات في شخصية ابنتها! لا المنع يجدي ولا التسيب ينفع، بل أن تقوم تربية البنت على مبادئ وقيم راسخة وعلى حوار مفتوح بدون خوف من التعبير عن ذاتها وعن تساؤلاتها ومخاوفها واعتراضاتها أو طموحاتها.
جزى الله أمي الحبيبة كل خير على صبرها وتحملها في سبيل تربيتي، فهي لم تكن أماً تعد الطعام فقط، بل كانت ولا زالت مرجعاً و»مرشدة» تعدني لأصبح إنسانة بمعنى الكلمة، أرضي ربي وأؤدي واجباتي نحو أسرتي ومجتمعي بدون أن أرضى بهوانٍ أو ظلم من أحد!
الأم والابنة: الحب والصراع
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
