موسيقاهم تتسلل للأعماق؛ دونما استئذان، تغتال حاضرك لتحيي ما كنت تعتقد أنه مات، عبر أبيات شعر عربي، يوما كنت فد حفظتها عن ظهر قلب، وسكبتها في أوراق بيضاء، لتنساها بعد ذلك! إلا أنها أبت إلا أن تعود لتسكن فؤاد من سمعها مجددا، عبر فرقة الفارابي السعودية، وهذه المرة بأنغام اختار الفارابيون أن يعزفوها عبر آلات موسيقية، حاولوا فيها الجمع بين الشرقية التقليدية، مثل العود والبزق بالإضافة لآلة البقلامة التركي؛ فيما تولى البيانو والغيتار بنوعيه التقليدي والكهربائي والدرامز، أن تضفي اللمسة الغربية لموسيقى، أفضل ما توصف به أنها موسيقى العصر الحديث.
الفارابي الفرقة التي أخذت على نفسها، عهدا منذ المقطوعة الأولى التي أطلقتها، بعد تعميدها من قبل الشباب الذين وجدوها تحاكي عصرهم؛ وتمثل الأحلام والأوهام ربما! لمن يرفع شعار الواقعية ضاربا بعرض الحائط مستقبل الحلم للبسطاء، إلا أن الأمر مع موسيقى وكلمات الفارابي، حمل الأحلام على أجنحة الواقع، عبر تشكيل الفرقة وتقديم أنفسهم، من خلال اختيارهم لقصائد من عيون الشعر العربي، الفصيح، ليسددوا ضربة موجعة، لكل من يتهم الشباب بتهمة إفساد الذوق العام، ناهيك عن تهمة تحمل جيناتها الذاكرة الجمعية، تخرج أجيال شابة من بحر العرب؛ إلى محيط الغرب.
الكلمات التي غناها الفارابيون لم تكن سوى التعبير الوحيد، الأكثر صدقا والأجمل في ذاكرة مستقبلية للجيل الحالي، تحاول الاتكاء على إرث حضاري، قوامه الشعر لتبني حلم مستقبل قادم، وهو ما بدا واضحا في قصيدة بلاد العرب أوطاني، التي غنتها الفرقة بأداء مشاعر ومثنى، التي لم تحاول أن تلهب مشاعر المستمعين، بقدر ما تعمدت ملامسة المشاعر الدفينة داخل كل منا، لم يترك لها اللهاث اليومي في ظل تسارع وتيرة الأحداث في الشارع العربي، لتخرج للعلن وتعبر عن نفسها.
القصائد التي وقع اختيار الفارابيين عليها، لم تكن الأكثر شهرة بين متذوقي الشعر الفصيح على الأقل؛ بل جاءت الأكثر مناسبة والأبلغ تعبيرا عن واقع الحال، ولأن مقولة ما أشبه اليوم بالبارحة، ليست مجرد جملة دارجة، كانت أغنية قصة ملك، واحدة من أبلغ ما غنت الفرقة، حكت ملكين وملكين فبين عرش تربع عليه المتنبي في مملكة الشعر، تستدعي أبيات القصيدة المغناة؛ ذكريات قامة ملكية بحجم وهيبة الفيصل، سجلتها ذاكرة أمة؛ هذه المرة على أوتار الفارابي وهي تغنيه في: الليل والخيل والبيداء تعرفني/ والسيف والرمح والقرطاس والقلم/ حتى رجعت وأقلامي قوائل لي/ المجد للسيف ليس المجد للقلم/ تحمي السيوف على أعناقه معه كأنهن بنوه وعشائره/ قد زرته وسيوف الهند مغمدة/ وقد نظرت إليه والسيوف دمه.
انتقائية القصائد التي تغنيها الفرقة، لم تمنع تنوع الموضوعات، عوضا عن موضوعات مستهلكة، بل جاء ذلك التنوع محددا لخط سير يبينه المستمعون لموسيقاهم وكلماتهم، يأتي ذلك ضمن توجه إنساني واضح، لم يغفل الانتماء العربي والإسلامي للفرقة، الذي انعكس على تسجيل قصائد حاولت أن تسجل موقفا غير راض، ومتسائلا عن واقع آلت إليه أمة الإسلام عبر قصيدة يا غافلا التي جاءت في أحد مقاطعها، طارحة سؤالا للمسلمين أنفسهم «لماذا التقاطع في الإسلام بينكم/ وأنتم يا عباد الله إخوانا؟».
وبين الضعف والاستضعاف يبدو أن الفارابي، عزمت على أن تتخذ لها مكانا، في قائمة الفن الكلاسيكي الراقي، بروح الشباب القائمين عليها؛ بعد أن تحلقوا حول عيون الشعر العربي الفصيح، وغرفوا من أنهار الموسيقى العربية واللاتينية واليونانية، التي قام بتركيب خلاصة عطرها الأولى الفيلسوف العربي الفارابي، الذي تسمت به الفرقة، في محاولة منهم لنشر إرث ثقافي كان نتاج حضارة لم تتم المحافظة عليه ولسان حالهم يدعو «يا عادلا في حكمه لا يظلم/ برح الخفا كم ذا نجن ونكتم/ يا سامع الأصوات إن لم تستجب/ من يستجيب لنا سواك ويرحم/ يا من مقاليد الأمور بكفه/ عطفا فأنت بحال عبدك أعلم».
الحب الذي شوهته كثير من مفاهيم العصر الحديث، وحجمت مفهومه، عبر أغنيات ومقاطع لا تراه إلا في في ثنائية المرأة والرجل، حلقت به الفارابي عبر أجنحة حملها الطائر، لتلف به الدنيا وتخرجه من قفص قصة الحبيبة، المغرقة في شاعريتها، عبر أمثال عربية حاكت الحب لتشكل قصة للحب بشكل جديد، بعيدا عن البذخ العاطفي، بقدر قربها من مشاعر الحب البسيطة في أبجدياته الأولى، وهي تغني «كل يغني على ليلاه/ وقالت يا أعز الناس/ دوام الحال من المحال/ ونل فؤادك حيث شئت/ فما الحب إلا للحبيب الأول»؛ ليصبح ملح الحياة في قصة أكبر هي قصة الحياة!