تلقى تنظيم القاعدة في الصومال وحليفته المحلية حركة الشباب، ضربات موجعة من قبل الجيش الصومالي وتحالف القوات الأفريقية (أميصوم)، وخسر التنظيم 6 مدن استراتيجية كان يتخذها مكانا لانطلاق عملياته في المنطقة، مما ينبئ بقرب زوالهما من خارطة الوجود في البلاد الغارقة في الفوضى.
ساد القلق والتوتر أوساط المتطرفين من عناصر القاعدة وحركة الشباب في الصومال، منذ إعلان الجيش الصومالي وبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال (أميصوم) عن خطة عسكرية شاملة لتحرير المناطق التي يسيطران عليها في جنوب البلاد ووسطها منتصف فبراير الماضي، بطلب من الحكومة الفيدرالية لتحرير جميع المعاقل التي تسيطر عليها الميليشيات المتطرفة والمرتبطة بتنظيم القاعدة في الصومال.
وأرعبت الخطوة المقاتلين الأجانب في مدينتي براوي وبولو بوردي اللتين تعتبران أهم معقلين لحركة الشباب الحليف المحلي للقاعدة.
معارك عنيفة
وبدأت الحملة العسكرية من الولايات الغربية المتاخمة للحدود الإثيوبية والكينية، التي شهدت أعنف المعارك، تمكنت بعدها “أميصوم” من بسط سيطرتها على خمس مدن استراتيجية في إقليمي بكول وغذو جنوب غربي البلاد خلال أسبوع من القتال، حتى وصلت إلى مدينة حطر العاصمة الإقليمية لإقليم بكول وتمركزت فيها.
وكذلك تمكنت القوات الحكومية بمساعدة من “أميصوم”، ليل الجمعة الماضي، من استعادة سيطرتها على مدينة بولوبوردي الاستراتيجية في إقليم هيران في وسط الصومال، وعدد من البلدات الصغيرة المحيطة بها، وذلك بعد انسحاب مقاتلي حركة الشباب دون أي اشتباكات، حسب ما أكدته “أميصوم” وشهود عيان.
وجاءت سيطرة القوات الحكومية على مدينة بلدوين في إطار الخطة العسكرية لتحرير جيمع المناطق الخاضعة لسيطرة حركة الشباب في الجنوب والوسط الصومالي.
وأفادت “أميصوم” في بيان عاجل صباح الجمعة الماضي أن “القوات الصومالية المدعومة بالقوات الأفريقية لحفظ السلام، أحكمت السيطرة الكاملة على مدينة بولو بودري بإقليم هيران ليرتفع عدد المدن المحررة من الإرهابيين خلال الأسابيع الماضية، إلى ست مدن استراتيجية”.
تواصل العمليات
وكشف وزير الداخلية الصومالي عبدالله غوذح بري أن القوات الصومالية تتجه الآن إلى مدينتي بارطيري وبراوي في إقليمي غذو وشبيلي السفلى التي تعتبر المعقل الأكبر والأهم للقاعدة في الصومال، مشددا على أهمية تطهير جيمع الأراضي الصومالية من المتمردين المتشددين.
وقال غوذح بري: قواتنا وصلت إلى ست مدن استراتيجية تم تطهيرها من الإرهابيين، لكنني أقول لها وللقوات الأفريقية الصديقة التي وقفت إلى جانبنا إن الطريق طويل، وهناك مدن صومالية ما زالت خاضعة لسيطرة القاعدة.
وأشار إلى أن المدن التي ستحرر في مقبل الأيام، ستكون في بارطيري وبراوي، وجميع الأماكن يمكن أن يوجد فيها الإرهابيون.
إضعاف الإرهابين
وأكد مبعوث الاتحاد الأفريقي في الصومال محمد صالح النطيف أن انتزاع “أميصوم” لمدينة بولو بوردي من حركة الشباب، أضعفت قوة المتمردين، خصوصا أن المدينة كانت تمثل شريانا أساسيا للحركة، ومقرا وسكنا لمئات من قادتها الأجانب، وقاعدة لتدريب الميليشيات الصومالية.
وأضاف: “السيطرة على هذه المدينة تعطي لقواتنا دافعا قويا للتحرك إلى الأمام وإكمال مسيرتنا لإحلال السلام والاستقرار في الصومال”.
كنس القاعدة
من جانبها، أعلنت قيادة القوات المسلحة الصومالية بداية الأسبوع الماضي، السيطرة على مدن حطر وربطوري وتيد في إقليم بكول جنوب غربي الصومال، ومدن واجد وبوطبو في الجبهة الغربية في إقليم غذو، بعد معارك عنيفة بين ميليشيات حركة الشباب من جانب، والقوات الصومالية والأفريقية من جانب آخر.
وقالت وزارة الدفاع الصومالية إن عشرات من الميليشيات الإرهابية لقوا حتفهم خلال المعارك التي خاضتها مع القوات المسلحة أثناء حملة تطهير البلاد من الإرهابيين وكنسهم ورميهم في مزبلة التاريخ.
وفيما لم يتطرق بيان الوزارة إلى عدد القتلى والجرحى من حركة الشباب، علمت “مكة” من مصادر مستقلة أن عدد القتلى من جانب المتمردين في مدينة حطر وضواحيها وصل إلى 34 قتيلا من ميليشيات القاعدة المحلية، إلى جانب وقوع خسائر بشرية في صفوف الجيش حسب تصريحات قادة الجيش.
خيار الاستسلام
ويقول القيادي السابق في المحاكم الإسلامية، الجنرال يوسف أندوعدي لـ “مكة” إن “الضربات الموجعة ضيقت الخيارات أمام عناصر القاعدة وحلفائها المحليين من الميليشيات المتطرفة في أجزاء من إقليم غلغذود وسط الصومال”، موضحا أنه ليس أمامهم خيار سوى الاستسلام للقوات المسلحة الصومالية، لقطع جميع الطرق المؤدية إلى مدينة براوي والمدن الجنوبية الأخرى التي تسمح لهم بالاختباء فيها، لأن التضاريس في وسط الصومال شبه صحراوية لا تمكنهم من الاختباء.
وأضاف أندوعدي: خطة التمركز بالمدن الزراعية التي تمر بها الأنهار أو المدن الساحلية، جاءت بعد انضمام حركة الشباب إلى تنظيم القاعدة، ومدينة بولوبوردي مثلا يمر فيها نهر شبيلي وفي ليلة واحدة يمكنك الوصول إلى أقصى الجنوب عبر قارب صغير، لكن القوات المسلحة تبدو واعية هذه المرة.
.. وتفقد مركز التسلل إلى إثيوبيا وكينيا
تقع مدينة حطر في إقليم بكول جنوب غربي الصومال، وتبعد عن مقديشو نحو 375 كلم، وهي قريبة من الحدود مع إثيوبيا وكينيا، وكانت تشكل في السابق، مصدر تهديد لكينيا وإثيوبيا، إذ اتخاذها تنظيم القاعدة وحركة الشباب مركزا تنطلق منه هجماتهما على البلدين، بعبور الحدود البحرية بسبب غياب الرقابة الحدودية من جهة الصومال.
وكان عناصر القاعدة يتسللون انطلاقا من حطر إلى البلدان المجاورة، خصوصاً كينيا التي انضمت أخيراً إلى البلدان التي تعاني خطر القاعدة في شرق أفريقيا.
وأكد الجنرال في الجيش الصومالي يوسف أنوعطى لـ”مكة” أن عدداً كبيراً من مقاتلي القاعدة الأفارقة، دخلوا الصومال عبر البلدات الحدودية مع كينيا للوصول إلى العمق الصومالي والانضمام إلى العمليات القتالية إلى جانب حلفائهم المحليين.
وعدد أنوعطى المزايا الاستراتيجية لمدينة حطر، قائلا: ما يميزها على المدن الأخرى في الإقليم، هو الزراعة والرعي اللذان تعتمد عليهما حركة الشباب طوال فترة حكمها كمصدر رئيس للدخل، إضافة إلى الكثافة السكانية التي تميز المدينة عن مثيلاتها في الإقليم.
باطيري
تتمع باطيري بأهمية استراتيجية لا تقل عن أهمية مدينة حطر، وتعد عاصمة لإقليم غذو.
ومن مناطق الإنتاج الزراعي في الصومال، ويمر فيها نهر جوبا أكبر نهر في البلاد، وتبعد عن مقديشو 456 كلم من جهة الجنوب الغربي.
وسيطرت عليها حركة الشباب عام 2009 وأحكمت عليها قبضة حديدية، وهجرت أهاليها ليصحبوا لاجئين في مخيمات طاطاب الكينية.
براوي.. منتجع قيادات القاعدة
تطل مدينة براوي على الساحل الغربي للمحيط الهندي على بعد 209 كلم من مقديشو، سيطرت عليها حركة الشباب في 2009 بعد انسحاب القوات الإثيوبية من البلاد، واختارتها كمكان للترحيب بقادتها للاستمتاع بمناظرها الخلابة التي تنفرد بها.
وتشهد المدينة الساحلية هجمات متتالية من قبل القوات الأمريكية التي تراقب زعماء القاعدة عن كثب وتستهدفهم جويا بطائرات من دون طيار، في أي وقت تراه مناسبا، وكان آخر هجوم على المدينة قبل أسابيع في هجوم صاروخي لم تعرف تفاصيله بعد.
وكانت قوات فرنسية خاصة نزلت في المدينة في يناير 2013، في محاولة فاشلة كان من شأنها تحرير رهينة فرنسي يعمل لحساب المخابرات الفرنسية، اختطفته القاعدة في مقديشو 2009، وانتهت الاشتباكات بمقتل الرهينة وجنديين من المشاة الفرنسيين.
ومن الأمور التي تجعل هذه المدينة مهمة للقاعدة حسب المحللين، موقعها القريب من المحيط الهندي، الأمر الذي يسهل عملية التنقل الحر لقيادات القاعدة الدوليين عبر المحيط، والوصول إلى بلدان منها اليمن ومدينة مومباسا الكينية التي توجد فيها أعداد كبيرة من أنصار الفكر المتطرف.
بولوبوردي معقل استراتيجي
تعد مدينة بولوبوردي في إقليم هيران، المعقل الثاني للقاعدة في الصومال بعد مدينة براوي المعقل الأهم.
وتقع بولوبورذي على الطريق الرابط بين مقديشو والمناطق التي تقع في وسط البلاد على بعد 245 كلم شمال مقديشو.
وتتمتع المدينة بأهمية استراتيجية كبيرة لحركة الشباب في توسطها بين الجهتين الجنوبية والوسطى، حيث كانت معبرا لمئات من المقاتلين الأجانب، وسكناً لعشرات المقاتلين المحليين مثل رئيس مكتب الدعوة للحركة الشيخ فؤاد خلف، والقيادي المشهور يوسف شيخ عيسى كباكودكذي المسؤول الأعلى للقاعدة في وسط الصومال.

