أنا على يقين بأن كل الذين يرقصون رقصة البطريق، ليسوا إلا مجموعة من أناس، كانوا ضحايا لثقافة مستوردة أفقدتهم معالم الطريق نحو هويتهم العربية وثقافتهم الأصلية، وبدافع من ضغوط موجة التقليد الأعمى الذي وفّر لهم هويات مستوردة تعمل على تدمير هويتهم الأم، ونسوا أن هويتهم الأم تستحق الإعجاب والتقدير والالتزام والتقليد بل التّقيد الجاد، لذا فهم كانوا تحت سيطرة التقليد في طريق منهجية غير واضحة الدروب والمعالم، حتى كأنهم لا يدرون إلى أين يسيرون، ولا ماذا يفعلون، يسيرون بغير هدى وفق ما تسوقهم (الرياح الفكرية التغريبية) فإن مالت يسارا مالوا معها، وإن مالت يمينا مالوا كذلك، وإن سمعوا هزيزها ظنوها تصفق لهم إعجابا!! كما قال الشافعي «إذا الريح مالت مال حيث تميل» هكذا هم الذين لا يملكون أهدافا في الحياة، وليست في عقولهم خطط مرسومة ليسيروا وفقها، لا يشعرون بقيمة الهوية الأصلية لهم، ولا يعون مكانتها، فهم بسرعة يعتنقون الأفكار الغريبة عنهم ويصبح عندهم «كل غريب مرغوب» وينفذون معتقدها (بلا نقاش) دون أن يعلموا، أهي صحيحة أم خطأ، أهي تساير معتقدهم الديني أم تخالفه؟ أهي تتناسب وتقاليد مجتمعهم أم تخالفها؟ مثل أولئك الذين وجدوا الناس واقفين أمام «محل لبيع الورد» – وهم الذين لا يعرفون كيف يقفون في الدور عند «باب المخبز»- فوجدوهم يشترون وردا أحمر في يوم 14 فبراير، فسألوا الواقفين أمام المحل، ما الخبر؟ قال أحدهم وقد تبرع بالإجابة عن الواقفين (عيد الحب) قالها بملء فيه ثم زاد «فلنتاااااين»!! المحتفلون بعيد الحب (لم يشغلّوا عقولهم ليتساءلوا) عيد؟ حب؟ وهل للحب عيد؟ وكم عيد عندنا؟ فلا نعرف سوى عيدين، بل حتى الذي جاوب لا يدري ما الأمر، إلا أنه قرأ مقالات المطبلين من «الكتبة « لعيد، يسمونه (عيد الحب) أو عيد (فلنتاين) وكأنه من اخترع الحب لهم، ووجدهم يرسمون «رومانسياتهم» على سطور زواياهم، فوقف في طابور «الشارين للورد الأحمر» وقال «مثلي مثل غيري، وهل أنا أقلّ منهم؟ وغرّد كما يغرّدون!! ولعل رقصة البطريق الرقصة المستوردة، من الفلكلور «الفنلندي» استحوذت على عقول كثير ممن ينساقون خلف كل ثقافة مستوردة، وقاموا يطبقونها في أعراس، وداخل مدارس، وفي الساحات، كذاك الأب الذي حين تعطلت سيارته في الطريق، فلم يجد ما ينفس به عن موقفه الصعب بتعطل سيارته، إلا أن يرقص وأولاده رقصة البطريق! وكأنه يريد ضرب مثل جديد مفاده (إذا كثرت همومك فارقص)! على كل حال، لو سألت أحدهم عن (العرضة، الخطوة، القزوعي، الدمة، الدحة) لقال لك: (هه..وش ذي؟ أكلات؟! طيب احلف..طيب.هي سبايسي ولا...؟!) لكنهم الجاهلون بموروثهم الأصيل، يعطونك تاريخ الموسيقى الغربية من (الهيب هيب، الروك أند رول، البوب، إلى من غنى جانجم ستايل، إلى مشاهير الراب) الذي طرق أبوابه الفنانون العرب، وصدعّوا به رؤوس النشء، فلا تستغربوا أن يخرج جيل يفتقر لمعرفة موروثه، ويتخلى عن هويته في الزي واللغة بسرعة وتهاون، ويركب موجة التقليد، لأنهم ضحية قنوات فضائية، وضعتهم أمام برامج غربية مستنسخة فارغة من كل مضمون وهدف، حملت لهم ثقافة مستوردة (وبهرّتها ببهارات البهرجة) جعلتهم يذوبون (انبهارا) لكنها ثقافة لا تمت بصلة لثقافتهم العربية، ولا تقر لهم بهذا، سطحّت أفكارهم، وأفرغت عقولهم، وحولتهم إلى «ببغاوات» يحسنون التقليد، بل ويزيدون فوق من قلدوا (حبتين) وكأنهم يقولون للمتوكل الكناني الشاعر الأموي، أبشر ..«ونفعل فوق ما فعلوا» لكن ما أخشاه أن يكون هذا الجيل، مثل ذاك (الغراب الذي أراد تقليد مشية الحمامة، فلم يقو على تقليد مشيتها، وحين أراد أن يعود لمشيته نسيها.
رقصة البطريق والتقليد الأعمى!
محمد إبراهيم فايع3 دقائق للقراءة

حجم الخط
