كما ذكرت بالأمس فإن الصين تحاول أن تدخل الشرق الأوسط من خلال نافذة السعودية وتستفيد في الوقت نفسه إقليميا ودوليا على مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والأمنية، غير أن هذا التصور ليس يسيرا وسريعا على الدولتين، فعلى الصعيد الاستراتيجي سوف تعتمد الصين وأمريكا على بعضهما لفترة طويلة، ولن يتسنى للسعودية تغيير هذا المسار، إلا إذا قدمت نفسها بوصفها لاعبا جادا وبادرت إلى الانتصار لمصالحها على الساحة العالمية، وربما يصب هذا في مصلحة أمريكا والعالم معهما بالتبعية، ولذلك فإن أهم ما يميز السعودية بالنسبة للصين هو:
1- الاستقرار الذي تتمتع به السعودية، والاحتياطي النفطي الكبير الذي تملكه يجعل منها شريكا استراتيجيا مهما لتلبية احتياجات أمن الطاقة للصين منذ الآن وحتي عام 2035 حيث سترتفع احتياجاتها إلي 60 %، وذلك علي عكس الدول التي تواجه اضطرابات داخلية مثل العراق وإيران.
2 - السعودية والصين شريكان تجاريان حيث توجد 150 شركة صينية تعمل حاليا في السوق السعودية في قطاع المقاولات ومشاريع البنية التحتية والاتصالات والتجارة والطاقة البديلة والمتجددة، وهناك توجه قوي لإنتاج وصناعة السيارات الصينية في السعودية، نظرا لارتفاع الطلب على صناعتها وليس مجرد تجميعها، أما لماذا صناعة السيارات؟ فلأن لغة الأرقام المستقبلية للاستهلاك تفرض نفسها، إذ من المتوقع أن ترتفع ملكية السيارات إلى 320 سيارة لكل ألف شخص بحلول عام 2035، أي بزيادة تقدر بنحو سبعة أضعاف النسبة الحالية التي تقف عند 44 سيارة لكل ألف شخص في عام 2013، أما العلامات التجارية المرشحة لإنتاج السيارات الصينية في السعودية فهي على سبيل المثال: «شيري» و»جيلي» و»غريت وول» نظرا لأسعارها التنافسية، ويؤكد ذلك أن السيارة «بيك أب وينغل» أرخص 23 % من «تويوتا» ذات التصميم المماثل.
3 - السعودية تمثل سوقا جاذبا للسلع الاستهلاكية الصينية في المستقبل المنظور، لأن النمو السكاني في السعودية سيصل إلي 1.7 % سنويا وهو يفوق متوسط «دول البريكس» الذي يبلغ 0.7 % سنويا، فضلا عن أن مكاسب القوة الشرائية تجاوزت التضخم منذ عام 2008 والذي توقف عند 4 %، وكان مخططا لرفع حجم التبادل التجاري بين الصين والسعودية إلى 60 مليار دولار بحلول عام 2015 بدلا من 40 مليارا عام 2008، في وقت وصل فيه حجم الاستثمارات الصينية في السعودية نحو 690 مليون دولار، بينما بلغ حجم الاستثمارات السعودية في الصين 600 مليون دولار.
4 - السعودية تتمتع بميزة لا توجد في كل الأسواق الناشئة في العالم، وهي أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 25 ألف دولار، مما يجعل الاستهلاك السعودي الكبير والمتزايد محط اهتمام وجذب لاقتصاديات العالم (والصين تحديدا).
وفي المقابل ما الذي يميز الصين بالنسبة للسعودية؟ هناك مجموعة من العوامل الاقتصادية والجيوسياسية من أهمها:
1 - الخريطة الاستثمارية والتغييرات الاقتصادية العالمية تشير إلى تصاعد العلاقات بين البلدين على كافة المستويات النفطية والتجارية والاقتصادية، وحتي السياسية.
2 - تتمتع الصين بوضع جيد يمكنها من دعم فرص التنوع الاقتصادي في السعودية، وتوفير سوق لصادرات البتروكيماويات السعودية والإسهام في أبحاث علوم الفضاء والأقمار الصناعية.
3 - الصين هي مصنع العالم وسوق ضخم يملك إمكانات هائلة، وشريك تجاري استراتيجي، ولا يوجد خلاف سياسي حقيقي (الصين لا تؤيد نظام بشار الأسد وإنما مع مبدأ عدم التدخل في شؤون الدول الأخري والحل السلمي وهذه نقطة بدء جيدة لإزالة أي خلاف سياسي وهو ما تم التباحث بشأنه بين ولي العهد الأمير سلمان بن عبدالعزيز والرئيس الصيني).
4 - يجب الاستفادة من النمو في الصين وزيادة الطلب على صناعة البتروكيماويات، حيث تمثل هذه الصناعة 67 % من إجمالي إنتاج الشرق الأوسط.
وهذا العام فقط احتاجت الصين إلي 9 % بينما مثلت الصادرات السعودية 5 % فقط من إجمالي واردات الصين من البتروكيماويات، ومن هنا يجب زيادة قدرة صناعة البتروكيماويات بنسبة 50 % حتي عام 2020 لمواكبة الطلب المتزايد في الصين.
5 - الصين ودول شرق آسيا ستصبح أكبر الأسواق لاستهلاك الطاقة عام 2020. أما اليوم فإن 20 % من احتياجات الصين النفطية تأتي من السعودية، وهي أكبر مستورد للنفط حاليا. ومن المتوقع أن يزداد الطلب على النفط بعد 20 عاما بمقدار 14 % وسيرتفع سعر برميل النفط إلي 124 دولارا.
وفي الجانب الجيوسياسي فإن دور السعودية هو الخيار الوحيد لضمان الاستقرار في آسيا عن طريق إقناع الصين بقبول الوضع الراهن، وذلك بالتعاون والمنفعة المتبادلة مع دول آسيا (اليابان والهند) وليس بانتهاج سياسات حافة الهاوية والخداع، وهو دور لا تستطيع القيام به دولة أخري (غير السعودية) التي ستلقى دعما وإجماعا عالميا: من أمريكا وروسيا وأوروبا ودول شرق آسيا فضلا عن الصين، وجولة الأمير سلمان بن عبدالعزيز الآسيوية إلى الباكستان والهند واليابان صبت في هذا الإطار.
ونقطة الانطلاق للوصول إلى هذه الأهداف الكبري:
تتمثل أولا في «قناعة» السعودية بأن دورها (كوسيط له مصداقية وموثوق فيه) أكبر وأخطر مما يمكن تصوره، وأن الدول الكبري تنتظر من السعودية الكثير، فالتحديات العالمية أكبر من النووي الإيراني -رغم خطورته- والصراع العربي الإسرائيلي -على أهميته- وهي فرصة ذهبية لتحقيق المصالح السعودية والحفاظ على أمنها القومي ورخاء مواطنيها من خلال الاشتباك مع هذه الهموم وتلك القضايا الإقليمية والعالمية، والعمل الجاد على حلها، لا أن تكون المشاكل والمخاطر التي تهدد السعودية عائقا في سبيل تقلد دورها الإقليمي والعالمي.

