الحديث عن المالية الإسلامية وصناعتها كخيار مصرفي معقول ومدروس في ظل تراجع الثقة في شفافية المؤسسات المالية التقليدية بعد الأزمة المالية العالمية أصبح يتردد في عالم المال والسياسة والإعلام الغربي على نحو متواتر، وشاع استخدام مصطلحات «المرابحة» و»المضاربة» و»الصكوك» في الصحف المالية ذائعة الصيت مثل «فايننشال تايمز»، و»وول ستيرت جورنال»، وفي الوقت ذاته زاد اهتمام الأوساط الأكاديمية في دراسة منتجات المالية الإسلامية، فسمحت الجامعات العريقة في العالم الغربي كجامعة هارفارد وأكسفورد وكامبريدج ودرم في إقامة المؤتمرات والدراسات والأبحاث حولها، وفتحت أقسام متخصصة للمالية الإسلامية في كلياتها.
كما بدأت المملكة المتحدة في اتخاذ خطوات عملية لطرح أول صكوك إسلامية قيمتها نحو 200 مليون جنيه إسترليني في العام المقبل، إلى جانب إعلانها استحداث مؤشر إسلامي جديد في بورصة لندن للتعرف على فرص التمويل الإسلامي في خطوة تعزز مكانة مؤشر بورصة لندن (فوتسي) كمطور للمؤشرات المبتكرة التي تطرح بدائل هامة، ما يجعله سابقة أخرى عالمية لحي المال، ويتزامن ذلك مع تقديم أكثر من 20 مصرفاً لمنتجات وخدمات التمويل الإسلامي، وإدراج أكثر من 49 من الصكوك الإسلامية تقدر قيمتها بنحو 34 مليار دولار في بورصة لندن، إلى جانب وجود 25 مؤسسة حقوقية وقانونية وفق القانون البريطاني تعمل في مجال تحرير العقود الإسلامية، و16 جامعة تقدم برامج للاقتصاد والمالية الإسلامية، بما فيها جامعة كامبريدج التي أعلنت في أكتوبر 2013 عن برامج لمديري الشركات عن خدمات الصيرفة الإسلامية.
وفي الوقت ذاته تشير التقارير الاقتصادية إلى أن زيادة سرعة نمو التمويل الإسلامي تفوق نمو الأعمال المصرفية التقليدية بمعدل 50 %، وأن الاستثمارات الإسلامية عالمياً نمت بنسبة 150 % منذ 2006، لتصل قيمتها إلى 1.3 تريليون جنيه إسترليني، كما توقعت الدراسات نمو قطاع المنتجات الإسلامية التمويلية بنحو ثلاث مرات ليرتفع من تسعة مليارات دولار في عام 2009 إلى 25 مليار دولار بحلول عام 2015، ووفقاً لإحصاءات المؤسسات المالية المختصة فإن قيمة الناتج الإجمالي المحلي للاقتصادات الإسلامية في العالم تبلغ أكثر من 8 تريليونات دولار، كما ارتفع حجم الأنشطة الاقتصادية المنسجمة مع مبادئ الشريعة الإسلامية إلى نحو 8 تريليونات دولار من إجمالي الناتج المحلي العالمي، أو ما نسبته 11% من الإنتاج العالمي.
كل المعطيات السابقة تؤكد تزايد الاهتمام العالمي بالمالية الإسلامية، وأن استثماراتها ومستقبلها في نمو مضطرد، وأن الحاجة للاستفادة من هذا الاهتمام والنمو في الوقت الراهن أمراً ملح، ويتطلب قراراً استراتيجياً لتصبح الرياض مركزاً رئيساً لصناعة المالية والمصرفية الإسلامية في الشرق الأوسط، ومصدراً لها في الوقت نفسه من خلال تقديم رؤية علمية عملية لصناعة مصرفية إسلامية استراتيجية الأبعاد بتهيئة البيئة المناسبة لعمل مثل هذه المؤسسات المالية.
ويتطلب ذلك تبني خارطة طريق لتطوير منتجات مالية إسلامية جديدة تتمتع بقدر كبير من المرونة والاستمرارية بفاعلية، مع ضرورة ابتكار الحلول المالية ذات الكفاءة التي تواكب حاجة العصر وتتوافق مع الشريعة، لا سيما أن هناك منتجات إسلامية لم يتم تطويرها بالشكل الكافي حتى الآن، وهناك مجالات أخرى لم تستغل وتفاعل مثل إدارة الأصول وإدارة الثروات، وإنشاء مؤسسات وبنوك إسلامية جديدة، ودعم تطوير المؤسسات القائمة، والعمل على تهيئها بما يمكنها من استيعاب المستجدات في عالم التقنية والتكنولوجية، وتقديم مزايا تنافسية لجذب المؤسسات الإسلامية الكبرى، وإنشاء مزيد من الأقسام المتخصصة في المالية والاقتصاد الإسلامي في الجامعات السعودية لتزويد المؤسسات المالية الإسلامية باجتياحاتها من العاملين، وإقامة مركز دولي للتدريب المالي الإسلامي للتدريب على أعمال البنوك والمصارف والمؤسسات المالية الإسلامية في مركز الملك عبدالله المالي، لتأهيل ورفع مستوى العاملين في المؤسسات المالية الإسلامية في جميع دول العالم، والاستفادة من وجود الجهات الراعية للتمويل الإسلامي كالبنك الإسلامي للتنمية، والهيئة العالمية للتمويل الإسلامي التابعة لرابطة العالم الإسلامي.
ومما لا شك فيه أن تحويل الرياض إلى مركز رئيس لصناعة المالية والمصرفية الإسلامية سينعكس إيجاباً على الاقتصاد السعودي وسيسهم في تعزيز نمو الناتج المحلي الإجمالي، وخلق فرص وظيفية للمواطنين، وسيفوت التأخر في ذلك على المملكة فرصا قد تستغلها دول مجاورة تأمل أن تكون مركزاً للمالية الإسلامية.