ما نعيشه اليوم من تحولات وتغيرات متعددة ومتلاحقة ومتداخلة تتم في نواحي الحياة كافة بمعدلات متسارعة، تضع الأفراد والمجموعات والمؤسسات أمام حقبة تتميز بالإثارة والتحدي والخطورة.
إن التغيير سنة من سنن الحياة، إذ إن نمو الإنسان وانتقاله من مرحلة إلى أخرى (الطفولة – الشباب – الشيخوخة) وما يصاحب ذلك من تغيرات متعددة ذهنية وبدنية وصحية، تفرض على الإنسان احتياجات ومتطلبات مختلفة ومتجددة، إضافة إلى ما نشهده اليوم من تطور كبير ومتسارع في مجالات العلوم المختلفة مما ينعكس أثره على البيئة وسلوكيات البشر.
التغيير في اللغة يعني تحول أو اختلاف وتبدل الشيء بغيره، وجعله على غير ما كان عليه، وهو ضد الثبات.
أما التغيير الإيجابي فهو التغيير نحو الأفضل من خلال الانتقال من الحالة أو الواقع القائم الآن إلى وضع أفضل منشود ومستهدف، وذلك بتحقيق نتائج نرغب فيها ونريد الوصول إليها، في إطار رؤية واضحة وأهداف محددة.
والتغيير الإيجابي على المستوى الفردي والجماعي يرمز ويهدف إلى معان عدة منها التنمية والتطوير والتحسين والتحديث والتجديد والتجويد والتقويم والإصلاح والتقدم والرقي والتميز.
إن تنمية وتطوير الذات والقدرات والإمكانات والموارد، لا تتأتى من خلال تصحيح المفاهيم والمعتقدات والعادات الخاطئة والبالية فقط، بل تتطلب أيضاً السعي الجاد والمتواصل نحو التغيير إلى الأفضل باكتساب وتنمية وتطوير وتطبيق مجموعة جديدة من المعارف والمهارات والسلوكيات الفعالة، ومن خلال التناصح وقبول الآخر والتعاون والتشاور والتواصل الفعال فيما بيننا، حتى نستطيع أن نزيد من كفاءتنا وفعاليتنا في الحياة - لنحقق أحلامنا وطموحاتنا، ولنحصن أنفسنا ومجتمعاتنا من الفتن.
وبالرغم مما يحمله التغيير من مشكلات ومخاطر ومهددات، إلا أننا دائماً ما نكون في أمس الحاجة إليه للحفاظ على النمو الفطري الصحيح والاستمرار في هذه الحياة بكفاءة وفعالية، ولدفع الألم وجلب المتعة والمنفعة - فالحياة لا تستقيم من دون التغيير.
إن أهم ملامح التغيير السائدة في عصرنا هذا تظهر من خلال المنافسة الشرسة على الموارد الطبيعية، وبروز توجهات واضحة ومشاريع مطروحة لدول وجماعات عدة لسيطرة سياسية واقتصادية وعسكرية وثقافية وفكرية تجتاح العالم كله.
والشاهد على ذلك ما نشاهده اليوم من مشروعات تتصاعد لتطبيق اقتصاديات السوق الحر في معظم دول العالم، وتكوين تجمعات اقتصادية إقليمية جديدة على غرار المجموعة الأوروبية ومجموعة الآسيان، والسيطرة المتصاعدة لتكنولوجيا المعلومات على مختلف مجالات الإنتاج والأعمال والحياة، واشتداد المنافسة العالمية والاعتماد على البحوث والتطوير كأساس لخلق الميزة التنافسية للمنظمات والدول، والاتجاه لتكوين تحالفات بين المنتجين لاستثمار الفرص المتاحة، إضافة إلى الاتجاه نحو العالمية (الكونية) في مجالات الأعمال، والدور المتصاعد للقطاع الخاص في مجالات التنمية والاستثمار في مختلف دول العالم.
لقد برزت في الأعوام الماضية تحديات فرضت علينا مقارنة الأداء وما نحققه من إنجازات بما يصل إليه غيرنا من المؤسسات الأحسن تنظيما والأفضل والأنجح في المجتمع، وهو ما يعبر عنه بالقياس إلى النمط الأفضل.
أما الآن فقد تطور ذلك المفهوم بتأثير المنافسة العالمية الشرسة والرغبة في الوصول إلى أفضل المستويات في الأداء، مما أدى إلى ظهور ما يعرف بالمستوى العالمي للأداء.
وخلاصة الأمر أن تحسين الأداء وتطويره لم يعد أمراً اختيارياً بل شرطاً جوهرياً لإمكان البقاء وعدم الاندثار، لذا كان الاهتمام في الإدارة المعاصرة بقضية تطوير الأداء من منظور كلي شامل يستهدف في الأساس تكوين ودعم القدرات التنافسية.
إن التغيير الإيجابي قد أصبح علما له قواعد وأصول، عكف كثير من علماء النفس والاجتماع على دراسة فنونه ومهاراته ومتطلباته على مستوى الفرد والمؤسسة، من أجل تحقيق الأهداف المنشودة والقيام بالمهام المطلوبة على أفضل وجه.
ومن أهم تلك المتطلبات الأساسية الإرادة الواعية المصممة والقيادة الرشيدة والإدارة الفعالة.
فالإرادة هي القوة الدافعة للفعل للتحقق، أما الإرادة الواعية المصممة الثابتة هي التي تجعل الإنسان يمتلك جرأة واضحة هادئة مطمئنة في مواجهة الأحداث والأشخاص، وموهبة على التأثير في أفكار وقرارات الآخرين.
لذلك فهي (الإرادة الواعية) تتمثل في المقدرة على التصور الباعث الذي يقود القدرة على الفعل والنجاح، والعزم باتخاذ الموقف الحاسم لتحويل ذلك التصور بعد أن كان في حيز الفكر والخيال إلى عمل واع منظم وامتلاك الشهوات والتحكم في الانفعالات وردود الأفعال، ثم بذل الجهد اللازم والعمل الواقعي المحقق للفعل.
أما الإدارة فتعمل على تحقيق الأهداف بالاستخدام الأمثل للموارد المتاحة وتنمية موارد جديدة، وذلك من خلال ممارسة الوظائف الإدارية - التخطيط والتنظيم والتوجيه والتحفيز والتنسيق والرقابةـ.
بينما القيادة تعمل على تحقيق أفضل النتائج من خلال إلهام الآخرين وتحفيزهم (إثارتهم وإقناعهم)، بحيث يشاركون بحماس وإخلاص في تنفيذ المهمة على أكمل وجه بكل الموارد والإمكانات التي يمتلكونها، ليعطوا أفضل ما عندهم، ولأن يكونوا دائما أفضل ما يمكنهم أن يكونوا عليه.
ولأهمية كل من القيادة والإدارة في نجاح الأعمال، فقد ظهر مفهوم القيادة الإدارية كمزيج يجمع بين التأثير القيادي والفكر الإداري (الكفاءة والفعالية)، ويدفع بالآخرين ويوجههم إلى العمل سويا لتحقيق الأهداف والحصول على أفضل النتائج معاً، في إطار تنظيم رسمي ومن خلال ممارسة الوظائف الإدارية.
وفي الختام، أود أن أخلص إلى أن الاهتمام والإلمام بعلوم وفنون ومهارات التغيير الإيجابي قد أصبح ضرورة لا بد منها، ليس فقط لمواكبة التطورات والمستجدات والاستفادة من آخر الابتكارات والتقنيات، بل أيضا للحفاظ على هويتنا وقيمنا وموروثاتنا وتقاليدنا السمحة التي تأثرت تأثرا كبيرا بسبب شدة رياح التغيير التي تجتاح عالمنا المعاصر.