مصطلح الحرب النفسية عرفه العرب قبل غيرهم بنظمهم كلمات وعبارات ذات مدلولات تبث الحماس وسط القوم وترهب عدوهم فتلبسه لباس الخوف والوجل، حيث تلفظ هذه العبارات بأسلوب خاص يضفي عليها قوة النبرة وخشونتها التي تبث الرعب في نفوس الأعداء وتشيع الجنود أسرابا على أرض نجران، هذا الفعل هو ما يطلق عليه بالزامل.
والزامل يزيد وهجه ليلا ويشرح الخاطر نهارا بتلك اللكنة النجرانية الشعبية.
يقول حمد آل خشة أحد أعيان نجران وشاهد على عصور تفوق فيها الزامل النجراني الشهير، له صيحة الحرب وكأن جموع المتبارزين يقتتلون خلف الرجال، لتتحول الصحراء بين أقدامهم المتراصة في صفوف الزامل إلى «أدخنة بيضاء» تخنق العدو قبل مشارفته على أرضها فتهتز على أصوات الحناجر شجاعته.
هنا يفسر آل خشة تفاصيل زامل الحروب قبل مائة عام، ليسرد رقصة الحرب والسلام وأهازيج النصر التي استخدمتها القبيلة النجرانية قديما لإرهاب عدوها حين يسمع ضجيجها القوي مقبلا عليه من بعيد.
وحديثا يجمل الزامل أمسيات نجران الساهرة بالأشعار وخطواته الواثقة التي يتمايل الجميع على إيقاعها الآتي من كهوف الماضي.
رجال الزامل الذين يشكلون صفا واحدا منقسما إلى قسمين متساويين وإن زاد لم يتجاوز الثلاثة، كل منهم يردد بيتا شعريا ثابتا باتحاد النبرة، وبتناغم تام في اللحن.
قديما كانوا يطلقون النار من أسلحتهم التي لطالما التحمت بأيديهم، أما في الوقت الحالي فقد عدلوا عن الأسلحة النارية إلى سَلّ الجنابي أو الخناجر وتصويبها نحو السماء، ليتحول الزامل بالوقت الحاضر إلى إرث حضاري يجوب مناسبات الأفراح والأعياد وحتى في المسائل الشائكة بين القبائل.
الآن أضحى الزامل من أحد الأسلحة المستخدمة في الحروب إلى متعة صوتية يمارسها الصغار والكبار، ليقول عنها الرحالة الجغرافي البريطاني «سان جون فيلبي» في رواياته حينما زار نجران في إحدى زياراته المبكرة في الثلاثينات، «لعبة مجنونة كأنها لعبة رياضية تحرك الحناجر والجسم كاملا»، في حين شارك أهالي نجران آنذاك لحظة أدائهم الزامل.