لم تهدأ حال العراق والعراقيين ولم تستقر الأوضاع منذ أطيح بالنظام العراقي السابق، بل ازدادت سوءا وخطورة، بخلاف ما توقعه المحللون السياسيون والقادة الأمريكيون الذين ظنوا أنه بمجرد أن يزيلوا نظاما ويجيئوا بنظام آخر مغاير في الشكل والصورة، فسوف تنتهي آلام العراقيين ومشاكلهم ويتوجهوا نحو البناء والإعمار وتطوير بلادهم، وأكثر من ذلك، كانوا يعتقدون أنهم سيستقبلون كفاتحين ومحررين وتنثر عليهم الورود والرياحين، ولكنهم كانوا خاطئين جدا في نظرتهم التبسيطية غير الاستراتيجية للواقع العراقي أولا، وعدم إلمامهم الكامل بطبيعة العراقيين التاريخية التي تنزع إلى العنف والصرامة أكثر من نزوعها إلى المفاهيم الديموقراطية، المعروف عن العراق في التاريخ الإسلامي (كما يقول الباحث العراقي المرموق الدكتور علي الوردي في كتابه «دراسة في طبيعة المجتمع العراقي» أنه كان منبعا لأكثر الفرق والحركات الاجتماعية، ومنه انتشرت إلى غيره من الأمصار الإسلامية الأخرى.
ففيه نشأ الخوارج والشيعة والمعتزلة، وفيه اشتدت حركات الموالي والشعوبية والغلاة والزنادقة، ثم ظهرت بعد ذلك حركات الزنج والقرامطة والعيارين) ويؤكد الوردي في دراسته على «أن الشعب العراقي في مرحلته الراهنة يحاول أن يتشبه، من بعض الوجوه، بأسلافه الغابرين.
فهو الآن لا يقل عنهم في حبه للجدل والتنازع حول المبادئ المختلفة» ..إنسان بهذا التعقيد والتشابك، والتاريخ المليء بالعنف والدم، لا يمكن أن يؤخذ بالبساطة، كان على الأمريكيين أن يتناولوه بالبحث والدراسة من كافة جوانبه قبل أن يغزوه ويحتلوا أرضه، بغض النظر عن نوعية النظام الذي يحكمه، مشكلة الأمريكيين أنهم خططوا جيدا لإسقاط النظام السابق، وكانت لديهم رؤية واضحة واستراتيجية فاعلة حول ذلك، بدليل أنهم استطاعوا أن يحرروا العراق في غضون أيام، ولكن لم يكن لديهم خطط واضحة وفاعلة لمرحلة ما بعد سقوط النظام، وهي المرحلة الأصعب، ولم يكن اعتمادهم على الأحزاب والحركات السياسية المعارضة لإدارة دفة العراق، استراتيجية فاعلة، وناجعة، كون هذه القوى المعارضة عاشت في المنفى لعقود، انقطعت خلالها علاقاتها بالجماهير وانفصمت صلاتها بالوطن تماما، هذه القوى المغتربة الغريبة عن العراق وأهله، أنيط بها حكم العراق، البلد الكبير المهم، ذو الأجناس والطوائف والأعراق المختلفة الذي يتمتع بخيرات كثيرة لا حصر لها، وهي التي كانت تعيش على رواتب الضمان الاجتماعي الشهري القليل المخصص لها من قبل الدول التي كانت تعيش فيها، وبعضها انخرطت للعمل في المؤسسات الاستخباراتية التابعة للدول التي كانت تعيش فيها مثل إيران وسوريا، تمر بأوامر تلك البلدان، هؤلاء من استعان بهم الأمريكيون لإدارة بلد مثل العراق، وكان إخفاقا «تاريخيا» للاستراتيجية الأمريكية، ومن الطبيعي أن يستشري الفساد في مفاصل الدولة الرئيسة وتشيع الفوضى والإرهاب والقتل على الهوية الطائفية، وتكثر الأزمات والمشاكل بين المكونات العراقية وتتسع الهوة بينها، وتصبح القرارات المصيرية للبلاد بيد أعدائها في ظل هؤلاء «الأغراب»..وعندما ازدادت الأوضاع سوءا وبلغت ذروتها عند اندلاع حرب أهلية بين السنة والشيعة في 2006 و2007، والتي ذهب ضحيتها مئات الآلاف من الطرفين، وقفت القوات الأمريكية عاجزة عن فعل شيء حيالها، وأخذت موضع المتفرج منها، وأخيرا وبعد مرور تسع سنوات على تجربتها المريرة في العراق، استسلمت لفشلها وأقرت بعجزها في الاستمرار وسط سقوط قتلى يوميا لجنودها، وفضلت الانسحاب بكرامتها قبل أن تجبر على ذلك، فأعدت سيناريو اتفاقية عقدتها مع الحكومة العراقية في 2011 للانسحاب من العراق، وبررت انسحابها فيما بعد، بأنه طبيعي بعد أن أنهت مهمتها فيه وتركته «بلدا ديموقراطيا مستقرا !!»، فهل صحيح أن العراق اليوم بلد ديموقراطي؟ ومستقر أمنيا واجتماعيا؟ واقع الحال اليومي والحقائق الميدانية، وما تطرحه الأمم المتحدة والمؤسسات الحقوقية والإنسانية العالمية من معلومات دقيقة حول العراق تقول عكس ذلك، فالعمليات الإرهابية في تصاعد مستمر، والفساد أصبح ظاهرة متبعة في دوائر الدولة وفي المجتمع، الوظائف والمناصب الحكومية تباع وتشترى كأي سلعة أخرى ولكل منصب سعر معين، من وظيفة رئيس الجمهورية إلى المدير العام، أصبح العراق بحسب التقارير الدولية من أخطر بلدان العالم على حياة الإنسان.
والحصيلة أن الأمريكان أبدلوا نظاما قمعيا بنظام آخر، وحزبا أيديولوجيا «طائفيا» شموليا بحزب آخر أيديولوجي «عروبي» شمولي، ودكتاتورا بدكتاتور آخر لا يقل عنه خطورة وقمعا..وقد أدرك الأمريكان متأخرين أن العراقيين بطبعهم ينزعون إلى العنف والصراع والحكم الفردي، أكثر من نزوعهم إلى الهدوء والاستقرار والحوار الديموقراطي الحضاري، لذلك غض الطرف عن العمليات العسكرية التي يشنها المالكي ضد شعبه.
العراق معادلة معقدة في المنطقة
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
