في ليلة مظلمة، كان كيرك بلودسورث ساهراً في زنزانته الضيقة يعد الأيام المتبقية لإعدامه بالكرسي الكهربائي لإدانته باغتصاب وقتل طفلة في
التاسعة من عمرها في إحدى ليالي يوليو الحارة، ورغم إصراره على براءته إلا أن محكمة ولاية بالتيمور أدانته لوجود خمسة شهود ربطوا بينه وبين
القتيلة، ولحسن حظه وقع بصره على خبر عن براءة متهم بالاغتصاب في بريطانيا باستخدام آلية جديدة في البحث الجنائي تسمى البصمة الوراثية.
كل شخص منا يحمل بصمة وراثية فريدة من المستحيل أن تتطابق مع آخر إلا إذا كان توأماً متماثلاً، ويتم الكشف عن هذه البصمة بمقارنة الحمض
النووي "د ن ا" في نسيج عثر عليه في مكان الجريمة كالشعر أو العرق أو اللعاب بعينة من المتهم، فالبصمة الوراثية التي في الشعر هي نفسها في
الجلد والعين وفي كل خلايا الجسم.
ولم يكن ذلك معروفاً جنائياً حتى سنة 1986 عندما اكتشف العالم البريطاني الشاب أليك جيوفريز البصمة الوراثية ولم يدر بخلده أنها ستصبح أهم أداة
في البحث الجنائي، ففور تطبيقها أماطت اللثام عن لغز محير لاغتصاب فتاتين، فأطلق سراح المتهم لعدم تطابق بصمته وزج بالجاني الحقيقي في
السجن، ومنذئذٍ و البصمة الوراثية تستخدم في حل الجرائم، كما يتم تطبيقها في حالات إثبات النسب وتحديد هويات من طمست معالمهم في
الحرائق والكوارث الطبيعية.
كان محسن السكري يتجول في شوارع القاهرة وهو لا يعلم أن قطرة من دمه (وجدت في مارينا دبي بمسرح جريمة اغتيال الفنانة اللبنانية سوزان
تميم)، ستكون دليلاً قاطعاً لإدانته لتطابق البصمة الوراثية، أما الطبيب سام شيبرد الذي جسد شخصيته هاريسون فورد في فيلم (الهارب) فقد حكم
عليه بالسجن المؤبد لاغتياله الوحشي لزوجته ولم يستطع إقناع القضاء ببراءته حتى وفاته، ولكن ابنه استطاع أن يبرئ ساحته بعد نحو خمسين عاما
من تاريخ الجريمة، حيث وجدت البصمة الوراثية للقاتل الذي كان شخصاً مقرباً من العائلة.
نعود الآن إلى صديقنا بلودسورث الذي جاوز السبعين من عمره، وقد كرس سنوات عمره للعمل كناشط اجتماعي لإقرار البصمة الوراثية في الطب
الجنائي، وإنشاء بنك لحفظ معلوماتها الكترونياً حتى لا يجلس على الكرسي الكهربائي غير الجاني الحقيقي.

