في مقالي السابق تحدثت عن إمكانية، بل أهمية مشاركة الفيلسوف في فهم القرآن، وأن لديه آلياته وأدواته الخاصة التي يمكنه من خلالها فتح حقول في الفهم تتكامل، أو قد لا تتكامل مع رأي الفقيه وفهمه.
وها أنا أستكمل الحديث بالإشارة إلى مشروع تأويلي له تجربته وفاعليته وحضوره العلمي عالمياً، وهو ما اصطلح عليه بـ”الهرمنيوطيقا”، ولا أريد أن أتحدث عن تاريخيته وتطوره. ولكن إشارتي إلى راهنيته وأهمية أن يكون للعقل الذي يتعامل مع القرآن وعي وإلمام به.

فالهرمنيوطيقا تحتل اليوم الصدارة في ميدان الأبحاث المنهجية والنفسية والاجتماعية والتاريخية والإنسانية. والمكتبة العالمية تشهد زخماً من الأبحاث والدراسات الفلسفية حول الهرمنيوطيقا، كما تشهد المكتبة العربية القليل من ذلك ما بين مترجم منقول وأقل منه ما تم تأليفه ودراسته، وهذا القليل هو ما يبعث الأمل لإنتاج أكثر وأعمق ومشاركة فهمية تفتح آفاق المعنى في ظل سقوط مفهوم العقل الكلاسيكي القديم وأدواته، ولما يتشكل العقل الجديد وآلياته.
الهرمنيوطيقا مغامرة في دروب المعرفة الإنسانية، هي مغامرة بمعنى كونها اكتشافا في بحر النص، اكتشاف لا يعني التيه والضلال والحيرة! ولكنه اكتشاف لما يسميه (رولان بارت) بـ”لذة النص” وبذلك سمى كتابه الذي ترجمه الناقد منذر عياشي الذي يقول عن لذة النص:

اللذة تأتي هكذا، إنها حضور من غير سؤال، ووجود يعم كل شيء، دون أن يتموضع في شيء. وليس شيء أقتل للذة من سؤال يستفسر عن موضوعها. اللذة ليست موضوعاً. إنها هي. وإنها لتكتشف دائماً من غير سؤال. وسعادة الملتذ كالنور. تأتي بقدح زناد الروح، فلا يدركها إلا من تحرر من نفسه جسداً ودخل في نفسه نصاً. (انتهى كلام العياشي). وهو وعي بجمالية النص التي يفتقدها الكثير من التفاسير التي كتبت حول القرآن!! والجمالية أساس في مخرجات الهرمنيوطيقا.
وبين يدي كتاب يبشر بوعي عربي إسلامي جديد وهو ما ألفه الدكتور عبدالغني بارة بعنوان (الهرمنيوطيقا والفلسفة..نحو مشروع عقل تأويلي) وهو بحق كتاب حوى في صفحاته التي تربو على (600) خارطة عمل لمشروع دلالي رائد في فهم القرآن الكريم بين زمن النزول وزمن التلقي، كما يضع معالم الاستراتيجية النصية التي تدرك أن القرآن الكريم تشكل داخل نظام اللغة وتجاوزها في آن، مما يجعله لغة مخصوصة لا نظير لها، إذ يصبح القرآن خطاباً تداولياً بامتياز يأبى التوقف عن التدفق الدلالي والوجداني، ليصل إلى حقيقة أن القرآن يصنع قارئه.
وإذا كانت الهرمنيوطيقا مشروعا دلاليا يكشف المعنى في سيرورته ويتداوله الإنسان بكل معطياته العقلية والوجدانية، فهو بحق مشروع يستدعي الاهتمام من جميع المؤسسات العلمية، ومن الباحثين في علوم الإنسان ومنها العلوم الدينية وأهمها ما يتعلق بفهم القرآن.
إنني على ثقة أننا سوف نضيف إلى هذا العلم بقدر ما يضيف لنا إذا ما فتحنا نوافذنا بكل الثقة والقدرة على التداول الفهمي، وسنجد في ذلك ما يكسر جمود الفهم وانغلاق الدلالة في علوم التفسير والفقه وأصوله بجمالية تجعل الإنسان يعشق فهما ويشرب كأس لذتها بكل الحب.