العلاقة بين الولايات المتحدة والصين غريبة وقوية وذات طابع خاص، بدأت بوادرها مع الزيارة الشهيرة للرئيس الأمريكي ريتشارد نيكسون ولقائه بالزعيم الصيني ماوتسي تونج، وتصاعدت وتيرتها إلى أن وصلت في الوقت الحالي إلى العمق، وهذا النمو صاحبه قلق من الجانبين، ففي المجال الاقتصادي مال الميزان التجاري لصالح الصين ووصل العجز لصالحها إلى نحو نصف تريليون دولار، وأصبحت الولايات المتحدة أول شريك تجاري للصين.
كما مكنت الفوائض التجارية في الصين من تملك كثير من الأصول في أمريكا، وفي المجال السياسي اتخذ الرئيس باراك أوباما أسلوبه في السياسة الخارجية المعروف بالاتجاه شرقا؛ بهدف إعادة بناء القوة وتكريس النفوذ الأمريكي في منطقة شرق آسيا والمحيط الهادئ وسط زيادة المكانة الإقليمية للصين على النحو الذي يحدث في بحر الصين الجنوبي والشرقي، وعلى حدود الهند، بما في ذلك التدفقات النهرية الدولية من دون إطلاق رصاصة واحدة، وهو ما يعرف بـ”الحرب المستترة” التي تنطلق من أفكار المنظّر الاستراتيجي سون تزو من أسرة تشو: “أخضع عدوك دون قتال” من خلال استغلال نقاط ضعفه وتمويه هجومك على أنه تدابير دفاعية”، وهي أيضا أحد تدابير سون تزو الشهيرة “كل الحروب تقوم على الخداع”.
وعسكريا؛ تعاظم دور الصين في المجال العسكري والاستراتيجي في مقابل سياسة أوباما التي تعتمد على إعادة التوازن في آسيا عن طريق إحاطة الهدف وتطويقه من جميع جوانبه، من خلال تحريك بعض الملفات العالقة في اليابان والكوريتين، أو تعزيز التحالف مع الهند وكوريا الجنوبية، وتمتين الجسور مع تايوان وإندونيسيا وأستراليا وفيتنام، وفي الوقت نفسه تخفيف الضغط في أوراق حقوق الإنسان والقرصنة الفكرية والاحتباس الحراري والعراقيل الصينية أمام الاستثمار الأمريكي في الصين، وسط زيادة مخاوف الأمريكيين من تنامي دور الصين عسكريا واستراتيجيا في إنفاق عسكري يتراوح بين 135- 215 مليار دولار، وترى الولايات المتحدة أن هذا الرقم أقل بكثير من الإنفاق الفعلي.
إن قدرة الصين المتزايدة تقلق أمريكا وروسيا ودول آسيا حسب قول سوزان رايس نائبة الرئيس الأمريكي لشؤون الأمن القومي: “هناك عالم بأكمله في آسيا ولدينا مصالح وإمكانات كامنة فيه في القرن الحادي والعشرين”، كما أن سياسة أوباما التي انتهجها للاتجاه شرقا لإعادة التوازن الإقليمي في آسيا أدت إلى استياء الصين من محاولة تهميشها وعزلها في شرق آسيا وجنوبها، ومن ثم أصبحت تحاول بكل السبل دخول الشرق الأوسط من نافذة كبرى هي المملكة العربية السعودية؛ لاعتقادها أنه لا يمكن معالجة التحديات الكبرى إلا من خلال الشراكات الإقليمية والعالمية، في عصر صار يعرف بالانقلابات الكبرى، حيث أصبح من الممكن نظريا على الأقل أن تصبح إيران حليفة للولايات المتحدة الأمريكية في مواجهة حلف السعودية والصين، وهذا السيناريو بدأت مراكز الأبحاث وخزائن التفكير الغربية في دراسته وتحليله ومعرفة إمكانية تحققه، وسنطل غدا من خلال هذه النافذة بشكل أكثر تفصيلا.