تكمن مشكلة مفهوم التطرف الفكري في كونه لا يمكن قياسه، ويصعب إثباته في مجتمع تتباين فيه التيارات، إلا حال ارتباطه بفعل إرهابيّ يلفت الأنظار إلى فجاجته، ويحفّز العقول على البحث في خطورته، ولهذا تظل هناك منطقة رماديّة اللون، وهي منطقة تتجلى صعوبتها في أنها لا يمكن التنبؤ بتحولاتها، أو معرفة آثارها في المستقبل.
ولعل الجامعات من البيئات المستهدفة بهذا التطرف، وأقربها إلى تخلق تلك المناطق الرماديّة، وإن كانت الجامعات ساحات للبحث العلميّ الجاد والنظريّات العلميّة التي تهدف إلى الرقيّ بالمجتمع وتطويره، فإن ارتهانها إلى التطرف والغلو يخرجها من دائرة العقل الأكاديميّ الحقّ إلى دائرة أخرى تؤمن بمبدأ الصراع، وتنقلها إلى فكر (الفتوات)، وصراع الديكة الساذج، وتدفعها بلا وعي إلى العمل على هذه المنطقة بلا هوادة، لتنصرف عن مهمتها إلى خلق بؤر متطرفة ذات وعي له سلبياته الموقتة والدائمة.
لقد أوجدت هذه الدوائر صراعا لا حدود له بين الأكاديميين أولا، صرفهم عن مهامّهم الرئيسة، وأعقبه إعجاب لفئات من الطلاب بهؤلاء وأولئك، ومن ثمّ انتقلت المعركة البائسة من جيل إلى آخر، ولا مناصَ من استمرارها لعقود جديدة تتوارث أزماتها الأجيال السابقة إلى الأجيال اللاحقة، ويستمرّ هذا الإشكال حال إصرار كل تيار على أن تُمنح الوظائف في الأقسام الأكاديمية إلى طالب الوظيفة الأكاديمية التابع لهذا أو ذاك.
وللبحث في إيجاد المخرج الأنسب لهذا الاتجاه سنلحظ أن هذا المدّ لم يتخلق في جذوره الأولى في الجامعة، بل يعد امتدادًا واضحًا من البيئات المجاورة الأخرى التي تؤثر جليًا في الجامعة، وهي تقوم بدورها بالانصياع لهذه الضغوط الخارجية من حولها، وعوضًا عن أن تكون الجامعة مستقلة بوصفها المؤثر والفاعل، تنعكس الظاهرة، وتغدو متأثرة لا مؤثرة، وتصبح مجالًا أرحب لتوالد البقع السلبية المشار إليها، التي لا تلبث أن تتغير صيغها ودورها.
وعلى الرغم من كون بعض الجامعات تقوم بتنظيم مؤتمرات وندوات ومحاضرات دوريّة تهدف إلى الحدّ من التطرف، وهي ظاهرة محمودة في كونها تركز الضوء قليلًا على هذه البقع السلبيّة، بهدف استعادة نشاطها الحيويّ إلى الدور المأمول، بعيدًا عن الانخراط وراء الفكر المتطرف، لكن ذلك الأمر لا يتجاوز بضعة أيام، إذ تنتهي الفعاليّة، وينتهي معها التأثير المرُتجى، لكن الإشكال في الأمر الذي يدوم، ويلازم الطالب الجامعي طيلة دراسته لسنوات، إنه أمر يتصل بالبيئة الجامعية نفسها التي ينشأ فيها الطالب، ويتشكل فيها دوره المجتمعيّ، وتيسر له تحقيقًا لأهدافه الوطنيّة والإنسانيّة النبيلة في إطار الحريّة المسؤولة.
لذا كان على الجامعة التركيز على أهدافها الخلاقة الموضوعة لها، والنأي عن الخوض في الصراعات الهامشيّة التي لا طائل من ورائها، وأن تعمل على إعادة النظر في تلك المناطق الرماديّة المتوارثة، ومن ثمّ إصلاحها بصياغة منهج مستقل ينعكس على طلابها الذين يُرتجى منهم أن يكونوا في صيغة المتبوع لا التابع.