منذ دخولها الخدمة ضمن منظومة سلاح الجو الأمريكي منتصف تسعينات القرن الماضي وتوظيف واشنطن لها في حروبها الخارجية للتجسس وقصف ما تعتبره «مواقع الإرهابيين»،
والجدل يتصاعد حول طبيعة مهام الطائرات بدون طيار «الدرون» ومشروعيتها. ويمثل تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون في إسلام أباد في أغسطس الماضي على ضرورة أن تعمل «الدرون» الأمريكية وفقا للقانون الدولي وأن يتم بذل أقصى الجهود لتفادي الأخطاء وسقوط ضحايا مدنيين، الحلقة الأحدث في سلسلة المخاوف المتنامية من الأضرار المصاحبة لنشاط هذه الطائرات.
القتل النظيف
ويرى الباحث في شؤون الحركات الإسلامية بمؤسسة كارنيغي للسلام بواشنطن رافاييل لوفيفر أن العمليات التي نفذتها وكالة الاستخبارات الأمريكية «سي آي إيه» بطائرات الدرون ضد عناصر القاعدة في اليمن وباكستان وأفغانستان والصومال حققت نتائج فاقت توقعات الوكالة من حيث دقتها وانخفاض كلفتها. وقال في حديث لـ»مكة» إن هذا النوع من «القتل النظيف» لم يكن ممكنا خلال العقد الماضي. واستشهد لوفيفر بالكلفة البشرية والمادية الكبيرة التي دفعتها القوات الأمريكية في باكستان وأفغانستان في عهد الرئيس جورج بوش إذ كانت العمليات ضد القاعدة تتم وفقا للمعايير التقليدية. وقال إن اصطياد العديد من رؤوس القاعدة في اليمن ما كان له أن يتم من دون هذا النوع من الطائرات، بسبب طبيعة المنطقة وتضاريسها الجبلية الوعرة.
في المقابل يرى عدد من قادة الرأي في الولايات المتحدة أن فعالية حروب الطائرات بدون طيار لا تزال مثار شكوك، مشيرين إلى المأزق الأخلاقي الذي أنتجته مما يقوض مصداقية أمريكا حيال التزامها بحقوق الإنسان والعدالة. وذكروا أن في اليمن على سبيل المثال، عززت هجمات «الدرون» من الكراهية لأمريكا ودفعت لنشوء تحالفات بين الجماعات المسلحة ربطت بينها الرغبة في الانتقام.
ظل البدوي
سقطت طائرة بدون طيار تابعة لسلاح الجو الأمريكي في منطقة جبلية قرب الحدود العراقية التركية. وكان حطام هذه الطائرة بالنسبة للميليشيات الكردية التي تختبئ في المنطقة «هدية غير متوقعة» استخدمتها في أغراض دعائية. وقام مقاتلو حزب العمال الكردستاني بتصوير الحطام ورفعه على موقع «اليوتيوب» في الإنترنت زاعمين أنهم أسقطوا الطائرة المصنوعة في سان ديجو بواسطة شركة «جنرال أتوميكس».
وكشفت هذه الحادثة الغطاء عن عملية «ظل البدوي»، وهو برنامج تجسس أمريكي سري بدأ منذ نوفمبر 2011 متخذا من قاعدة أنجرليك العسكرية في تركيا منصة لإطلاق طائرات الدرون. وتقوم الطائرات بعمليات على الحدود مع العراق حيث ترسل صورا عالية الوضوح للقوات التركية لمساعدتها على تعقب مسلحي حزب العمال. وأعاد الجيش الأمريكي نشر أسطوله الضخم من هذا النوع من الطائرات في بقع ساخنة أخرى حول العالم.
تجسس واستطلاع
خلال العقد الماضي حشد البنتاجون أكثر من 400 طائرة من الطائرات بدون طيار مما أحدث ثورة في مكافحة الإرهاب. واعتبر الجنرال المتقاعد في البحرية الأمريكية مارتن ديمسي أن طائرات الدرون «شكلت فتحا جديدا في التاريخ المعاصر للعمليات السرية الواسعة التي تنفذها الوكالات الأمنية الأمريكية خارج أراضي الولايات المتحدة». وقال إن القوات الأمريكية دفعت في السابق أثمانا باهظة مقابل نتائج ضئيلة كما حدث في حرب فيتنام وتشيلي حيث لم يكن هذا النوع من الطائرات معروفا. وقال إن هذه الطائرات الصغيرة «تسهم بفعالية في جعل العالم أكثر أمنا رغم الانتقادات الكبيرة التي تواجه العمليات المنفذة بسبب الأضرار المصاحبة لها». ,أنشأ البنتاجون قواعد للدرون في أثيوبيا وجيبوتي وسيشل. وفي وقت سابق من هذا العام أبلغ قائد القوات الأمريكية في أفريقيا الكونجرس أنه يحتاج إلى مضاعفة عمليات المراقبة والاستطلاع وجمع المعلومات في القارة إلى 15 ضعفا.
رسالة لإيران
ووجه سلاج الجو الأمريكي تحذيرا واضحا لإيران بعدم العبث بطائراتها بدون طيار. وكانت مقاتلات شبح أمريكية طراز إف 22 قد تصدت لمقاتلة إيرانية كانت قد اقتربت من طائرة درون في المجال الجوي الدولي ما اضطر الطائرة الإيرانية للهرب. وفي المقابل أعلن الحرس الثوري الإيراني أنه يخطط ضمن برنامج الجاهزية الدفاعية، لتدريس طلاب المدارس الثانوية كيفية اصطياد طائرات الدرون من خلال تتبعها وإسقاطها بعد السيطرة على أنظمة الكمبيوتر الخاصة بها.
وفي داخل أمريكا نفسها حذرت إدارة الطيران الفيدرالي من إطلاق النار على تلك الطائرات وتعريض حياة الناس والممتلكات للخطر، وذلك ردا على مرسوم طرح في مجلس بلدي بمنطقة كولورادو يشجع على اصطياد وإسقاط تلك الطائرات بدعوى أنها تنتهك الخصوصيات. وقال فيليب ستيل الذي يقف وراء سن هذا المرسوم «لا أريد أن أعيش في مجتمع مراقب ولا في سجن افتراضي».
مفاعيل الاستراتيجية
واضطرت إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما أخيرا إلى تغيير سياسة استخدام «الدرون»، في أعقاب الهجوم الذي استهدف القنصلية الأمريكية ببنغازي العام الماضي وأدى لمقتل السفير كرستوفر ستيفنز. فقد دعا نائب في الكونجرس لإرسال فريق اغتيال يتعقب المطلوب بتدبير الهجوم - تم تحديد هويته - فيما دعا خيار آخر إلى إرسال قوات عمليات خاصة أو فريق سري لاعتقاله وجلبه لأمريكا. كما طرحت أيضا فكرة قتل المشتبهين في الحادثة بصواريخ تطلقها طائرات درون.
ووفقا لقانونيين فإن القيام بأي من تلك العمليات ربما يثير نوعا من الصداع فقد يسقط ضحايا من المدنيين. وقال المحامي في واشنطن جون بيلينجر الذي خدم محاميا لوزارة الخارجية ومجلس الأمن القومي خلال فترة إدارة الرئيس جورج بوش «أنا متأكد من أن إرسال طائرات درون أمر قانوني، لأن الذين نستهدفهم يمثلون خطرا على أمننا ولا يمكن الوصول إليهم بطريق آخر». وبعد نحو عام من حادثة بنغازي أقر أوباما أنه لم يتم جلب أي من المتهمين أمام العدالة. وشدد أوباما أن «أمريكا لا تنفذ ضرباتها بالدرون إذا كان ممكنا اعتقال الإرهابيين وهذا هو الخيار المفضل لدينا دائما الاعتقال والاستجواب والتقديم للقضاء».
ويرى ستيفن ويليامز أستاذ القانون الدولي وزميل معهد هوفر الأمريكي أن انخراط طائرات الدرون في جهود مكافحة الإرهاب يثير جدلا قانونيا معقدا بين الولايات المتحدة من جهة وسلطات الدول التي تنفذ «سي آي إيه» عملياتها في أراضيها من جهة أخرى. وقال في حديث لـ»مكة» إن المفهوم التقليدي للسيادة يتعرض لاختبارات عملية، إذ إن طائرات الدرون تستبيح أجواء الكثير من الدول لتنفيذ مهامها متى كان ذلك لازما دون الرجوع لسلطات الدول المعنية. وأوضح أن واشنطن تعتمد في ذلك على أن مصلحة الأمن والسلم الدوليين يجب أن تعلو على ما عداها. وقال «مهما يكن فإن مفاعيل استراتيجية واشنطن لمكافحة الإرهاب تغيرت لصالح هذا النوع من السلاح ومن ثم فإن التكييف القانوني لطبيعة هذه العمليات يعد أمرا ثانويا لدى وكالات تنفيذ القانون الأمريكية وفقا للكثير من الشواهد».

