في المرة الأولى التي وصلت فيها لبريطانيا، قبل سنين قليلة، حدث شيء غريب.
عندما توقفت في الطريق الطويل، ما بين لندن ومدينة وجهتي، توقفت عند إحدى محطات «السيرفس» العديدة في الطريق، أو الاستراحات كما نعرفها نحن العرب على طريق سريع، لأستريح قليلا، وأحسست ببرد شديد.
لم يكن هذا غير طبيعي، لأن الكثيرين قد حذروني من برد الجزر البريطانية القارس، ونحن نقترب جدا من عيد الميلاد، كنت متفهمًا، ولكنني رفضت، وبعناد وحزم، أن أرتدي بنطالا من الصوف تحت بنطالي الجينز اقترحه بعض الأصدقاء.
وقالوا لي: ستندم.
قلت: سنرى.
على العموم، استعددت جيدا على حد علمي: ارتديت فانلة داخلية -بالطبع- وكنزة صوفية عالية الرقبة، ثم كنزة أخرى ثقيلة ذات سحاب، وكوفية صوفية، و»جاكيت» من الجلد الثقيل المتين، وقفازات، ولكنني رفضت بعناد تيس أن أرتدي شيئا من الصوف أسفل بنطالي الجينز الثقيل.
وعندما توقفت على طريق الأشجار السريع الطويل، ونزعت القفاز، لم يكن مذهلا أن يدي قد عانتا البرد، المذهل أنني أحسست البرد في صدري المحصن، ولم أحسسه في ساقي اللتين لم يغطهما غير بنطال واحد.
للآن لم أفلح في تفسير هذا اللغز، ولكن يمكنني أن أركن إلى عيب في إدراكي أنا أو ما شابه.
وعندما بدأ المطر في الهطول، مضيت إلى الداخل مستمتعا بالدفء.
في السيرفس تجد غالبا كل ما يحتاجه المسافر.
حصل بعدها أن قطعت مئات الكيلومترات ذهابا وإيابا في سيارات أو قطارات أو أتوبيسات متعددة الأشكال والألوان عبر الجزيرة العجوز التي لا ينقصها الحياء ولا الوقاحة، وتعلمت هذه الحقيقة المعجزة، فمثلما تكلمت عن أن منتجع بحيرة فيرنوي قد صنعته يد الإنسان، فقد صنعت يد الإنسان أيضا كل هذه الأشجار علي الطريق، وقبل أن تشكر «هيئة التنسيق الحضاري ببريطانيا» يجب أن تحذر، أولا لأنه لا يوجد هناك هيئة مثل هذه في بريطانيا، وإن كان هذا «التنسيق الحضاري» موجودا بالفعل، على عكس بلد مثل مصر، بها هيئة لـ»التنسيق الحضاري» والنتيجة هي أبعد ما يكون عن هذين المصطلحين، وثانيا لأن الموضوع ليس له علاقة بالجمال فحسب، وإنما الموضوع محسوب بدقة بدافع اقتصادي بحت، ونوعية الخشب التي تحتاجها المصانع.
تذكرت صديقي العزيز والانثروبايولوجي خليل منون، ابن أسيوط البار، الذي قال لي مرة إن الإنجليز قد صنعوا نفس الشيء على طول أسيوط بشجر البلوط، ولكن الموضوع قد تغير منذ سنين طوال، ولعله يتوجب علينا شكر هيئة التنسيق الحضاري المصرية على هذه اللفتة.
في الطريق، تجد حافلات لا تنتهي مكتوبا عليها «آندي ستوبارد»، وتسأل زميلتك الإنجليزية فتوضح لك: هو سيد النقل التجاري البري هنا، شبه المحتكر لمثل هذه الخدمات.
لا يعجبها هذا الموضوع، ولا يعجبني أيضًا، ولكنني تسليت بمرور شاحناته العديدة أمام عيني، وبدا لي الموضوع غريبا، فقد تخيلت لو كان فريد شوقي -الممثل المصري الراحل- هو «إمبراطور النقل» في بريطانيا، ومنظر شاحنات عديدة تمشي في الطريق حاملة اسم فريد شوقي بحروف صفراء فاقعة فوق لون أزرق نيلي، مثلما هي بعض عربات ستوبارد.
بدا الموضوع عبثيًا ومليئًا بالنرجسية، ولكني تركت الملك للمالك.
تقول لي زميلتي إنها تعلم أن سياقتها سيئة، وأضحك أنا وأقول لها لا، أبدا، ولكنها لا تصدق، خصوصا عندما مزحت معها عن كيفية تعديها لشاحنة أمامنا.
أقول مخلصا إنني أظن أن سياقتها لا بأس بها أبدًا، تقول لي شكرا ولكن لا ينبغي أن تجاملني.
تبدو مغضبة قليلا فأقول لها إنني أولا لا أجيد السياقة، ولذا هي أفضل في موقفنا هذا بما لا يقاس، وثانيا أنا لا أعرف كيف أسوق إلى اليسار، مثلما تفعل بريطانيا بعناد عجيب: تحولت معظم الدول الأوروبية والعالم إلى السياقة إلى اليمين، ويقال إن العدو نابليون قد فعل هذا خصيصا نكاية في بريطانيا، ولكن بريطانيا وبعضا من مستعمراتها، خاصة الهند، وجزيرة أخرى في الركن الآخر من العالم تدعى اليابان، قد ظلوا أوفياء للسياقة إلى اليسار، والتي يقال هي العادة التي كانت شائعة بين الفراعنة واليونان والرومان، حيث يجعل الفارس فوق الحصان سياقته إلى اليسار، من أجل جعل يده اليمنى حرة في مواجهة المعارك.
البعض يقول إن العادة نتجت من مرور عربات الجثث المحملة بالطاعون في العصور الوسطى.
لا نعلم تحديدا.
هي ما تزال مغضبة، أعرض عليها أن نتوقف في إحدى محطات السيرفس القادمة، لأهديها كوبا من الشيكولاتة الساخنة، تنظر لي قليلا وتبتسم، أحذرها لكي تلتفت إلى الطريق، فتحول نظرها وقد رجع إليها غيظها، ولأعلم أنا أنني قد أفسدت الموضوع تماما.