قرار المحكمة الدستورية الأخير في قضية حبس ومحاكمة قائد الأركان التركي السابق إيلكر باشبوغ يحمل تطورات قانونية وسياسية في بالغ الأهمية وسط الأجواء المتوترة بين حكومة العدالة والتنمية وجماعة فتح الله غولن، فيما تركيا تقترب من موعد الانتخابات المحلية المعلنة في أواخر مارس الحالي.
المضحك المبكي
باشبوغ الذي حوكم من قبل محكمة الجزاء الثالثة عشرة في إسطنبول في مطلع أغسطس 2013، وصدر بحقه حكما بالسجن مدى الحياة لدوره في مؤامرة «أرغينيكون» للإطاحة بحكومة رئيس الوزراء التركي رجب طيب إردوغان جنبا إلى جنب مع كبار ضباط المؤسسة العسكرية، أمامه الآن فرصة كبيرة في الإفراج عنه بعد قرار المحكمة الدستورية الملزم.
وقال باشبوغ، الذي اعتقل في يناير 2012 وسجن منذ ذلك الحين بتهمة قيادة مجموعة إرهابية تسعى للإطاحة بحكومة إردوغان، إن «توجيه اتهامات إلى قائد جيش بتشكيل وقيادة منظمة إرهابية أمر مضحك مبكٍ». وهو اليوم وفي لقاءين صحفيين مطولين أجراهما خلال الشهر الأخير من سجنه بموافقة وزارة العدل التركية، يردد بأنه على حق ولم يخن بلاده والمؤسسة العسكرية، وأن أصابع داخلية حاولت التآمر عليه وإبعاده عن موقعه بسبب مواقفه المعارضة لسياسات الحكومة وأسلوبها.
صقر العلمانية
يعتبر باشبوغ «صقر» العلمانية التركي، فقد أمضى نحو 47 عاما في خدمة المؤسسة العسكرية، وهو متهم منذ البداية بالمشاركة في مخطط الإطاحة بحكومة العدالة والتنمية وتفكيك جماعة النور الإسلامية التي يقودها فتح الله غولن أهم وأقوى الحركات الإسلامية التركية، والتي كانت توصف حتى الأمس القريب بأهم حلفاء إردوغان وحكومته، وهو هذه المرة وأمام المستجدات سيخرج من سجنه ليقف صفا واحدا مع حكومة إردوغان التي فتحت الطريق أمام إيصال قضيته إلى هذه النقطة الإيجابية ليس فقط في موضوع محاكمته وسجنه هو وحده بل ربما في محاكمات بقية الضباط والجنود والكتاب المسجونين في «سيليفري» منذ سنوات طويلة.
التمسك بالمبدأ
الباحث التركي شامل طيار ذكر أكثر من مرة أن باشبوغ منذ تسلمه لمنصبه كان ومنذ البداية أمام خيارين، إما القبول بمسار اللعبة الديموقراطية في البلاد والتعامل معها على هذا الأساس، أو التصلب في مواقفه كما فعل أسلافه حتى تنتهي مدة خدمته ويحال على التقاعد. لكن باشبوغ لم يشأ التردد في تحديد موقفه وموقعه في المعادلة الجديدة، لا تساهل في التعرض للمؤسسة العسكرية من قريب أو من بعيد، وهو ربما لذلك دفع ثمن موقفه.
خيط أبيض
أما الأكاديمي التركي حسن تحسين فنداوغلو أستاذ القانون الدستوري فيقول إن قرار المحكمة الدستورية ملزم لمحكمة الجزاء في إسطنبول التي تأخرت في تقديم حيثيات قرارها لأشهر طويلة مما يتركنا أمام احتمالين إما أن قرارها لم يصدر بناء على دراسة معمقة وقناعة مدروسة قبل الحكم على باشبوغ، وإما أن هذا الإهمال في إصدار حيثيات القرار متعمد وهذا ما على المحكمة أن تشرحه لنتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود.
ويتابع فنداوغلو أن قرار المحكمة الدستورية الذي صدر بالإجماع هو ملزم ولا يمكن تجاهله بعد هذه الساعة ولا بد من إطلاق سراح رئيس الأركان الذي اعترض إردوغان منذ البداية على محاكمته وسجنه والتعامل معه بهذه الطريقة.
باشبوغ صاحب شعار ارفعوا أيديكم عن المؤسسة العسكرية فإضعافها مسألة تعني وحدة البلاد ومصيرها بالدرجة الأساسية، وصاحب قول هناك مخطط مدروس أعد من قبل البعض ويستهدف القوات المسلحة التركية لناحية زرع الفتنة والتفرقة في البلاد، قلب المعادلات رأسا على عقب في تركيا في هذه الآونة.
سيناريوهات جديدة
سيناريو آخر يردد في تركيا وهو أن إردوغان وحكومته منذ البداية تحركا باتجاه الإفراج عن باشبوغ بعدما أصدرا جملة من الإصلاحات القانونية تمكنه من الذهاب إلى المحكمة الدستورية ومن خلال إلغاء المحاكم الخاصة في تركيا، وأن هذا السيناريو يتقدم اليوم في أعقاب الحرب التي تشنها الحكومة على جماعة غولن.
الخطوة المقبلة هي الإفراج عنه في أقرب وقت ثم مراجعة ما جرى قانونيا في قضيته وقضايا عشرات المسجونين بتهم الانقلاب على الحكومة، ثم التنسيق المشترك باتجاه إكمال عملية إزاحة جماعة غولن من المؤسسات والمواقع التي تمركزت فيها. فرصة أمام حكومة إردوغان للمصالحة مع المؤسسة العسكرية وقياداتها بعد كل ما جرى في السنوات الأخيرة، وفرصة أخرى للكشف كما يقول البعض عن دور الجماعة في كل ما جرى.
ضجيج الديموقراطية
الإعلامي روشان شاكير يصف التطورات بأنها لا بد في النهاية أن تقطع الطريق على محاولة إعادة تركيا إلى الوراء، وهدم كل ما تم بناؤه حتى الآن على طريق الديموقراطية ودولة القانون.
لكن معظم المتابعين يتساءلون حول إذا كان ما يجري اليوم هو تصفية حسابات مع الدولة الموازية وجماعة غولن فقط، أم أن النتيجة كما يقول الأكاديمي أسر قرقاش لا بد أن تكون لصالح الدولة، فالدولة بقوتها ومكانتها ومؤسساتها لا بد أن تخرج هي المنتصر الوحيد من كل هذا الضجيج؟

