المعرفة المنيرة، المحصلة بقوة البحث والكد لم تعد شرطا عينيا أكيدا عند أعداد من أهل الكتابة والمجادلة.
فغالبية هؤلاء صار يكفيهم أن يدبروا تركيب الجمل وفن ترصيعها بغليظ المفاهيم وغامضها حتى يطلقوا أقلامهم ويستبيحوا النطق في ما يجهلونه أو لا يعرفونه إلا عبر قنوات معوجة أو مبتذلة.
الخسارات الناجمة عن ذلك كله هي ما نلحظه بالعين المجردة: فقر النظر وضيقه، غلبة التسطيح المعرفي وبالتالي سوء الإدراك والرصد وعجز عن الفكر ذريع.
في وسط تلك عِلَّتُهُ، ضمن أخرى، تتكاثر تيارات الجذب نحو الأسفل وتتناسل، وكذلك ألسنة التعتيم واللامعرفة، مشخصة في أشباه المثقفين وسماسرة الشأن الثقافي؛ وفي زمر هؤلاء وأولئك،لا يعدم خابط ورقا ولا مدادا، ولا يسع المثقف الحق إذا ما وُجد عرضا بينهم إلا أن يتكيف مع ضحالتهم أو أن يسكت مناجيا نفسه بلسان المعري: «ولما رأيتُ الجهلَ في الناسِ فاشيا/ تجاهلتُ حتى ظـنَّ أنّي جاهلُ».
وفعلا، مع تلكم الأصناف السائدة تفسد الكلمات والمفاهيم وتتفسخ حتى تستحيل إلى مسوخها وأضدادها، ومنها، مثلا لا حصرا، التعدد والتـنـوع والاختلاف، التي تفضي تصريفاتها الذرية السائبة إلى تكريس واقع مجتمعاتنا الذي يسميه الدارسون الانقسامية أو العصائبية segmentarism، ومن مظاهره المأساوية التشرذم اللغوي واللهجي، وشيوع نظام الولاءات والتبعيات، واحتباس قنوات التواصل وتقوضها.
ما الحيلة والطرائق للتداوي من ذلك الوضع المحزن؟ سؤال كبير يستدعي التفكير الجماعي والعمل المؤسساتي.
لكن قبل كل ذلك، يجدر أن نسأل دوما ذواتنا عما ليس لنا به علم، أي عن الخانات الفارغة التي تقبع في أحاديثنا عن هذه النازلة أو ذاك الشأن.
ومحاولة الإجابة هي بمثابة الفاتحة في مغالبة اللامعرفة وردع الجهالة السائبة النابحة.
وعلى أي حال، يبقى أن الجهد الفردي هو أعز ما يطلب، وتحرر الفرد من الفقر المعرفي أغلى ما يقصد...