أكثر طلبة العلم اليوم في مسألة الاجتهاد والتقليد بين طرفي نقيض، هناك من حرّم تقليد الأئمة المتبوعين مطلقاً وأوجب الأخذ بالدليل المباشر من الكتاب والسنّة! وهناك من عكس الأمر فأوجب التمذهب وتقليد الأئمة مطلقاً، وحرم الخروج عن أقوالهم، وسَدّ أبواب الاجتهاد جميعاً! وإن شئت الحق فنحن لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ونرى أن كلا الفريقين قد أخطأ طريق الصواب.
فأما الذين حرموا التقليد فقد بالغوا في غرورهم واعتدادهم الزائد بأنفسهم، حتى أضحى الاجتهاد عندهم حِمىً مستباحاً لكل من هبّ ودب من صغار طلبة العلم ونكراتهم، يتسلقون محراب البحث والاجتهاد، ويعارضون كبار الأئمة، ويقولون نحن رجال وهم رجال.
وأصبحنا نرى من هؤلاء من يقرأ في كتاب «نيل الأوطار» بعد العصر، ثم يفتي بعد المغرب، وما أكثر ما سمعنا منهم من آراء شاذة واجتهادات صبيانية، طالما أضحكت العقلاء، وأغرت السفهاء، وشوّهت الدين، وشوشت أذهان المسلمين.
ومن الملاحظ أن هذا الفريق وإن رفع شعار الاجتهاد وترك التقليد، إلا أنهم في حقيقة الأمر لم يصنعوا شيئاً يُذكر، لأنهم وإن تركوا تقليد الأئمة المتبوعين إلا أنهم وقعوا في أسر تقليد أشياخهم المعاصرين، فتعصبوا لأقوالهم، وتوقفوا عندها، وحسبوا أنها الحق المطلق، وهكذا لم ينجوا مما اتّهموا به غيرهم!وفي المقابل فقد أسهم متعصبة المذاهب في تكريس الجمود والتخلف، حينما حرّموا الاجتهاد مطلقاً، أو جعلوا له شروطاً تعجيزية، فمنعوا الأمة من الإفادة من عقول أذكياء العلماء النابهين، وألزموهم الصمت، وحالوا بينهم وبين محاولة إعادة النظر في بعض الآراء القديمة أو اختيار ما هو أنسب منها لمتغيرات العصر الحديث وحاجات الناس المتجدِّدة.
وأذكر أنني قرأت في تاريخ «مصر» الحديث أنّ حاكم مصر الخديوي إسماعيل باشا (1245- 1312هـ) كان قد حاول مراراً إقناع بعض علماء الأزهر وقتها أن يختاروا من المذاهب الأربعة ما يناسب الحالة الحاضرة، فأبوا إلا التقيّد بمذهب الإمام أبي حنيفة وعدم الخروج عنه، فما كان من الخديوي إلا أن أعرض عن الشريعة الإسلامية بأسرها، وأنشأ المحاكم الأهلية المستمدة من القوانين الفرنسية، وقصر عمل المحاكم الشرعية على شؤون الأسرة والأحوال الشخصية فحسب! وهكذا أضر هؤلاء بأحكام الإسلام وشريعته من حيث لا يعلمون.
وإذن فنحن لسنا مع هؤلاء ولا مع هؤلاء، ونرى أن الأمر بحاجة إلى شيء من التفصيل والتأصيل والاعتدال والتوسط، وهذا ما سوف أشرح بعضه في الأسبوع القادم إن شاء الله تعالى.