هكذا يشعر المواطن، فالجملة الواردة بالعنوان عندما يلفظها أحد رجال الأعمال في نهاية السهرة مع زملائه تكون قراراً نافذاً في الصباح، فهي جملة تقريرية وإن أتت على هيئة استفهام، فالتاجر يدرك أن المواطن المغلوب على أمره وأوامره مثلي تماماً هنا، عندما أصحو من النوم وأجد الأسعار تضاعفت فإنني أمر بثلاث مراحل، المرحلة الأولى الصدمة ومحاولة استيعاب الخبر، والمرحلة الثانية هي مرحلة الغضب ولوك الشتائم القديمة وابتكار شتائم تليق بأهمية المرحلة، ثم المرحلة الأخيرة وهي محاولة التعايش مع الوضع الجديد والتسليم بالأمر الواقع، وكي لا أبخس أحدا حقه فإنه من الأمانة (وللتاريخ) لا بد من القول إن هناك آخرين يشاركونني كمواطن ولو في مرحلة من المراحل الثلاث، وهي المرحلة الثانية التي أشعر أنني لا أُقاتل وحيداً، إذ يدخل معي على الخط الكتّاب الصحفيون وجمعية حماية المستهلك، لا أقول إنهم يستغلون (مصيبتي) ليظفروا بدور بطولة –معاذ الله– لكنهم على الأقل يقولون نحن هُنا، يبدون أقل جرأة، وأكثر أدبا وتأدباً إذ ينتقون كلمات لطيفة وهادئة أقرب للتسوّل والرجاء منها إلى الانفعال والغضب والشتيمة، لكنهم يغادرون ساحة المعركة –أو ما أعتبره أنا كمواطن ساحة معركة– بمجرد أن تصبح قضية رفع الأسعار مستهلكة والكل تكلم فيها، ويتركونني وحدي في مرحلة القبول بالأمر كواقع لا بد أن أتعايش معه، ففي النهاية أنا بين أمرين أحلاهما مُرٌ، فإما أن أعيش بكآبة وأدفع السعر مضاعفا، وإما أن أُحاول أن أجد مخرجاً لكآبتي وأدفع السعر مضاعفاً أيضاً، والأخيرة تحتاج لدورة من دورات (تطوير الذات) التي تعلمك كيف تبتسم وتخلق جواً من السعادة عندما يجزّ الآخرون رقبتك، ولا بأس أيضاً من الذهاب (لمستثمر) يقيم دورات بعنوان (كيف تدّخر المال) إذ إن رسوم الدورة يصل إلى ثلاثة أرباع راتبك، وتكتشف بعد نهاية الدورة أنك (مغفل) عندما دفعت ما تملك كي (يدّخره) الآخرون!آخر تقليعات حكاية (وش رأيكم نرفع الأسعار) أتت هذه المرّة من الشركة السعودية للكهرباء (قال مدرب دورة التطوير الذاتي إن الحلول دائماً تأتي بالتفكير بإيجاد بديل!) ،فالشركة (تنوي) زيادة رسوم الخدمة لمشتركيها بواقع خمسة ريالات لكل ارتفاع في «الأمبير» على أن يبدأ ذلك في غضون شهرين.
طبعاً (النية) في مثل هذه الحالات كافية لوحدها لأن يكون الأمر واقعاً، وأنا كمواطن لا اعتراض لدي على ارتفاع الخدمة، فبالنهاية الزيادة لا تتعدى (خمسة ريالات) لكل ارتفاع في الأمبير، وقد حفظت (من كثرة التكرار في كل السلع والخدمات) بأننا الأقل في العالم والأرخص، فلهذا لا بد أن (نحمد الله)، أليس الله هو وحده الذي لا يحمد على مكروهٍ سواه؟ ويكفي أن الشركة وطنية (وطنية) فمن الواجب علي كمواطن أن أعتبر ذلك دعماً للشركة الوطنية، ولا أخفي غبطتي من تفكير الشركة التي (تنوي أن تقرر بعد شهرين)، فالتوقيت رائع جداً، بعد شهرين أي في (عز الصيف) وهذا -لعمري– توقيت مهم جداً، فعندما تنقطع الكهرباء في ظهيرة يوم حارق كالعادة، فهذه رسالة مهمة للمواطن كي يتذكر أن ارتفاع التكلفة له ما يبرره، ولهذا لن أتخلى عن روحي الوطنية كما تفعل الشعوب المتخلفة التي تُقدم مصلحتها الفردية على مصالح (أهلهم وناسهم)، فهناك (نيّة) ارتفاع الأسعار تمر بقنوات كثيرة قبل أن تصل (لبوتقة القرار)، فهناك جمعيات مدنية يحق لها أن تسأل لماذا؟ وإذا لم تعجبها الإجابة فإنها قادرة على الضغط لإبطال النوايا، وهناك مساهمون يرون أن ارتفاع الأسعار قد يزعزع ثقة المواطن بهم، وهذه من وجهة نظرهم خطيرة جداً، وهناك المواطن أيضاً (أقشر وشرّاني) فبمجرد انقطاع الكهرباء ساعتين أو ثلاث عن منزله فإنه سيرفع قضية على الشركة ويطالب بتعويض ضعف تكلفة فاتورته لعشر سنوات، دون أن يُقدر الضغط الحاصل في الصيف الذي يأتي فجأة، ولا يؤمن بعدل (تدوير) الكهرباء بين الأحياء حيث ينقطع التيار عن كل (حارة) ساعتين بالتساوي، وفي النهاية (نحن أحسن من غيرنا)!