كثافة حضور المرأة في معرض الرياض الدولي للكتاب أمر ملحوظ ومشاهد، وقد لاحظت هذا الأمر في زيارتي للمعرض هذا العام، ولاحظته في الأعوام السابقة.
لكن صورة مرفقة بإحدى التغريدات كانت تحكي تلك الكثافة عن دورة هذا العام بما يفوق حضور الرجال، فالمساحة الممتدة في الصورة محتشدة بعدد يصعب عده من السيدات، ولم يكن بثها في تغريدة إلا للإشهاد على هذه الكثافة وطلب المشاركة فيما تثيره في نفس الناظر إليها: تعجباً أو فخراً أو استغراباً أو دعاية...الخ.
ومؤكَّدٌ أنه غير دقيق أن نستنتج من ملاحظة في وقت من أوقات المعرض أو يوم من أيامه، أو من صورة لا تعم سائر المعرض، نتائج إحصائية تقارن بين الجنسين في شأن الإقبال على المعرض، لكن الانطباعات التي تتعلق بإقبال الذكور لا تخرج –في الغالب- عن العادي، على خلاف كل انطباع تجاه حضور الأنثى فضلا عن تزايد هذا الحضور.
وهناك –بالطبع- من سيقرأ في ذلك وجوهاً من الدلالة لا صلة لها بالثقافة والمعرفة من قريب أو بعيد، وسيقول إن هذا جزء من ثقافة السوق التي تطبَّع المجتمع السعودي عليها، بناء على تعزيز عوامل اقتصادية واجتماعية للنزعة الاستهلاكية لديه، وليس بروز هذه الروح لدى المرأة إلا المسافة القصوى لتمكنها وشمولها.
وأعرف أن منطقاً آخر سينظر إلى إقبال النساء على معرض الكتاب من زاوية التنفيس والفسحة في مجتمع يصعب أن تجد المرأة هذا التنفيس أو الفسحة إلا في اصطحاب أبنائها إلى مطعم أو سوق أو ما يشبه ذلك.
والحق أننا لا نستطيع أن ننفي ذلك بالكلية، بل يمكن القول إن جزءاً من مشهدية معرض الكتاب خصوصاً في مثل احتشاد مؤلفين ومؤلفات على توقيع كتب لا جمهور لها، وبث الصور عن ذلك، وفي مثل صف الانتظار لدور المقابلة في القناة التلفزيونية، تؤكد الحس الشكلاني تجاه المعرض، وهو الحس الذي تغدو الفُرْجَة لازمة أو ملزومة بلا فرق.
وعلى رغم ذلك، فلا أعتقد أن أحداً يشك في ما بلغته المرأة في المجتمع السعودي من تعليم وثقافة، ولا أحد يشك في أنها وجدت في الكتاب ومتعلقاته وما يشبهه من وسائل القراءة والكتابة منفذا لذاتها تجاه العالم، سواء فيما اكتسبته من معارف ومهارات ورؤى وما استطاعت الاطلاع عليه والاكتشاف له، أم فيما رغبت في بثه وإرساله من قرائح فكرها وثمرات تحليلها وصرخات همِّها وهديل طمأنينتها.
إنه الكينونة التي تتيح لها التفاعل والتصادم والتحاور أي تتيح لها الوجود.
وليس الرجل مثل المرأة التي تجد في الكتاب “غرفة تخص المرء وحده” فيما ترامت فرجينيا وولف، أو مساحة حضور ووجود بديلة لـ”المجنونة في العُلِّيَّة” تلك التي وصفت بها ساندرا غيلبرت وسوزان غوبار –في عنوان كتابهما- حضور المرأة المطرود إلى العُلِّيَّة بفعل إقصاء ثقافي متعمد ومبرمج.
"المجنونة" في معرض الكتاب!
صالح زياد3 دقائق للقراءة

حجم الخط
