متى ما أحس الباحث بمشكلة حقيقية فإنه يبادر بالبحث فيها إن كان باحثا جادا، وصادقا، موهوبا، أو محبّا للبحث وهاويا له، وهذه الأخيرة نادرة.
وحين لم يبقَ من فُرص الخلاص من التضليل والإضلال إلا البحث العلمي الذي يواجه به الباحث أي ظاهرة أو مشكلة بالاستقصاء والأدلة وبالحقائق، تجد جامعات تأخذك بعيدا عن بيئة البحث العلمي ومقاصده.
بدءا من:

1 - تعيين مشكلة البحث، باختيار (إجباري) من قبل الأستاذ، (اختياري)في ظاهره!

2 - (إرشاد) الطالب الباحث نحو قضايا معيّنة ومنهج محدد، يخالف بالتأكيد منهجية البحث العلمي التي تترك للطالب حرية التحرك في بحثه وفق ضوابط معلومة ومتعارف عليها في الكتب العلمية وانتهاء بالخروج بتوصيات باهتة فضفاضة يدعو فيها الباحث إلى الفضيلة والالتزام بالأخلاق الحميدة.
وظيفة المرشد أو المشرف الأكاديمي بدلا من كونها للتسهيل على الطالب، والفتح عليه فيما أشكل عليه، ودلالته إلى أسهل الطرق وأيسرها للحصول على المعلومة وتمحيصها، إلا أنها تكون أحيانا للتضييق على الباحث وتحييده عن مقصده، وتغييبه عن الواقع بموضوعات بعيدة كل البعد عن الحياة ومفصولة عنها تماما.
ما يحصل الآن في كليات وأقسام التربية يُنذر بكارثة علمية بحثية واجتماعية، إذ تتكرّر الموضوعات وتتشابه سيناريوهات الأبحاث، بينما المشكلات الحقيقية لا تُبحث!

يُعتدى على المعلّم، ويتعاطى طلابٌ المخدرات، ويظهر الدرباوية أكثر، ويفحّط طالب أمام مدير مدرسة، في الوقت الذي يبحث فيه الباحث التربوي والاجتماعي، والشرعي: «فاعلية برنامج تربوي مقترح منبثق من نظرية ديوي لتأهيل القائد المدرسي لإدارة الفسحة الكبيرة» ويتناول آخر: «الأسرة المسلمة بين الواقع والمأمول» دون أن يسأل باحث أستاذه -ولا يقدر أصلا-: كيف نضبط الأسرة المسلمة ونحددها؟ ونحدد واقعها؟!

* حين يغيب البحث العلمي نتأخر، ولكن حين يُغيَّب فإننا نتأخر بقصد.