كانت «السنيوريتا» تطل إلى غرفة الطعام، من «برواز» يتصدّر الجدار، بخرزتين فيروزتين من عالم آخر.. تقول لي «السنيورة» أمها، وهي تحرّك اللقمة في فمها دون أن تبتلعها: «إنها جميلة.. أليست جميلة»؟.. قلت لها: وعميقة يا سيدتي..
كانت تهز رأسها شاردة.. أزاحت الشوكة والسكين جانبا وأدارت بيديها صحنها تتأمّل خطوط الرسوم الذهبية على حوافّه: سنيور «يايا» سيقولون لكم في «فلورنسا» إن «موناليزا» التي رسمها دافنشي هي أجمل نساء العالم، صحيح؟ قلت: لأنها «الأشهر» ولأن دافنشي هو من رسمها.. قالت: صدقني ابنتي أجمل.. ألا تراها «بلّينا»؟ فأجبتها بأعلى صيغ التفضيل: إنها ليست «بلّينا» وحسب بل هي «بيللسما»!
قلت وأنا أرى وميض الدمع في عينيها: «لوحة دافنشي يا سيدتي أهم من موناليزا نفسها.. أنا أيضاً رسمت وجه «صوفيا» وهي أجمل وأشهر منّي».. ابتسمت السنيورة الطيبة بحجم الدنيا!
كان زوجها السنيور الوقور ـ والله باشا في كل شيء ـ يتأمّلني مبتسماً رافعاً جفنيه بالحركة البطيئة مستحسناً إجابتي التي أسعدت سنيورته الطيبة الودودة
الحمد لله أعطينا دافنشي حقه ولن تغضب منّا «موناليزا» لو عادت إلى الحياة، ولن يسمح لها ـ طبعاً ـ أن تأخذ صورتها حتى لو عاد عصر النهضة من جديد.. وحتى لو جاء معها، وتشفع لها، دافنشي الذي رسمها في سبع سنوات لشيء يذكر عجاف.
بدأ دافينشي برسم اللوحة في عام 1503 م، وأنهى أجزاء منها بعد ثلاثة أو أربعة أعوام ولم تكتمل إلا عام 1510.
استعدت كل هذه النسائم القادمة ببرد أوروبا، الذي يزورنا هذه الأيام، وجمال ذكرى زمن البعثة.. وجمال إيطاليا إنسانا وطبيعة وفناً هو مزيج جمال «شرقي الهوى طلياني السمات» والشيء بالشيء يذكر!
شرقي الهوى.. طلياني السّماتِ!
يحيى باجنيد2 دقائق للقراءة

حجم الخط
