في البداية لا بد من القول: إن توجس البعض من مصطلح الروحية والروحانية ليس مبررا! وإن استخدم هذا المصطلح لأغراض غير جيدة، ولو أننا جعلنا قانونا بأن كل مصطلح أو تجربة صحيحة استخدمت بطريقة غير مناسبة سوف يتم هجرها والبعد عنها لأفضى ذلك إلى تفريغ شبه كامل للمحتوى الإسلامي.
إن الله تعالى سمى كتابه روحا، فقال: (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)، ومن جميل ما يذكر هنا ما ساقه ابن القيم في كتابه مدارج السالكين: أنه اجتمع (وهيب بن الورد، وسفيان الثوري، ويوسف بن أسباط. فقال الثوري قد كنت أكره الموت الفجاءة، فأما اليوم فوددت أني ميت. فقال له يوسف: ولم؟ قال: لما أتخوف من الفتنة. فقال يوسف: لكني لا أكره طول البقاء. فقال الثوري: ولمْ تكره الموت؟ قال: لعلي أصادف يوما أتوب فيه وأعمل عملا صالحا. فقيل لوهيب: أي شيء تقول أنت؟ فقال: أنا لا أختار شيئا، أحب ذلك إليَّ أحبه إلى الله. فقبله الثوري بين عينيه، وقال: (روحانية ورب الكعبة) انتهى.
ولا أريد الاسترسال في نقل المأثور من استخدام الروحانية في التراث الإسلامي، كما هي في التراث الديني للإنسانية كلها. ولعل الكتاب الموسوعي (تراثنا الروحي من بدايات التاريخ إلى الأديان المعاصرة) لسهيل بشروئي ومرداد مسعودي يشبع نهم المهتمين بهذا الشأن. ومن هذا المنطلق فإن العناية بذوق الكتابة الروحانية يستعيد وجوده في هذا العصر الشاب الذي يحمل أسرار الحكمة ومصابيح البصيرة، وقد وجدت أن التوجه للكتابة الروحانية أخذ طريقه وبقوة في الرسائل العلمية التي تُنظّر لهذا الأمر وتجعله من أساسيات البحث العلمي، لا سيما بعد سقوط الجدار العازل بين (العلمية والروحية) وتوجه النظريات العلمية لإثبات ما يثبت من التجارب الروحية في التشافي والخروج من الألم، وفي حقول الفيزياء الكمومية ونظرياتها التي تبشر بعالم جديد يفتح صفحة مختلفة للحياة.
وموضوع (العلمية والروحية) والتعاون القائم بينهما، سوف أفرده بمقال خاص ـ في هذه الصحيفة المباركة ـ كما أخذت الكتابة طريقها الرائد في فن الرواية، ولعلي أدلل بالانتشار الهائل لرواية (أربعون قاعدة في الحب) للروائية التركية (أليف شافاق) التي أخذت شيئا مما تستحق من القراءة والتحليل والتسويق. ومما يليها في الانتشار، رواية (عالم صوفي) حول تاريخ الفلسفة، لـ جوستاين غادير، وكذلك رواية (صلاة .. طعام... حب) للمرأة التي تبحث عن كل شيء (إليزابيث جيلبرت) وكذلك ما كتبه ميخائيل نعيمة في روايته (مرداد) وغير ذلك الكثير. ونحن معنيون أمام كل ذلك بـ (ذوق الكتابة الروحانية) دون الدخول في القناعات والأفكار. لا سيما وأن طبيعة الخطاب الروحاني لا تسعى إلى الإقناع، والسر في ذلك لمن لا يعلمه: أن الروحانية غنية بذاتها ولا تستمد وجودها من خارجها. ولذلك فإن الخطاب الروحي ينبثق من ثراء ووفرة عجيبة، وقدرة هائلة على تخطي الحدود المكانية والفواصل الزمانية، والتموقع في الفضاءات الثقافية المناسبة، والتعبير عن الحالات الفكرية والوجدانية والجمالية والفلسفية، وسر آخر، وهو أن: الخطاب الروحاني يتخلص ذاتيا من الحمولة السلبية التي تلحقه من سوء الفهم أو سوء الاستخدام. ولذلك كان هذا الخطاب قادرا استقطاب الدراسات من مختلف المجالات: في النقد الأدبي وفي الفلسفة وفي علم الاجتماع وعلم النفس، وفي الدراسات الدينية والأنثربولوجية وغيرها.
وحين نعود إلى خطابنا اليوم وبشكل ظاهر ـ الديني منه والمجتمعي ـ وعنهما الإعلامي الثقافي. نجد أنه قد فقد الكثير جدا من هذا الفن الروحاني حتى بات خطابا جافا قد أصابته عوامل التعرية، فلا يحمل نورانية يستضاء بها، ولا ينسجم مستمعه مع محتواه ومضامينه. وكان أجود ما يقوم به هذا الخطاب في حالته الراهنة أن ينتج ضد مراده، أي ينتج أعداءه!! ولا تعليق إلا بالعودة إلى جماليات وذوقيات الخطاب الروحاني التي سوف تجعل للكلمة مساحة تتجاوز فيها عدد حروفها في تجليات قيمها العليا وخلق الصدى الكوني لها، والذي يترك أثره في النفوس والسلوك. مما يجعل الإنسان يحقق أفضل إنجازاته لذاته وللبشرية بعيدا عن منطقة الشر والألم، وبذلك تتحقق الحكمة وينتشر السلام وتتصل الأرض بالسماء.