تعد العلاقات الإيرانية – السعودية ساحة الصراع المثالية لتنافس إقليمي لم يعد بالإمكان فهمه وفقا للمنظور التقليدي القديم. الظروف التي تسببت بقيام علاقات عدائية بين البلدين، سواء كانت الظروف الدولية أو الإقليمية، تغيرت إلى حد كبير. البلدان محاطان بمصاعب هائلة، ويواجه كل منهما تحديات قاسية. بعض هذه التحديات تحمل ضمنها إمكانية تقريب البلدين المتخاصمين منذ زمن طويل وترميم العلاقات بينهما.
الرئيس الإيراني الجديد، حسن روحاني، يواجه عقوبات غربية مشددة، وأمامه طريق صعب من المفاوضات مع دول مجموعة 5+1، بالإضافة إلى كونه يواجه معارضة محلية قوية. هناك فرصة كبيرة في أن تفشل إدارة روحاني في الوصول إلى نهاية سعيدة في ملف المفاوضات النووية، وإذا حدث ذلك فإن رئاسته ستصبح ضعيفة ومتهالكة، مثل السنوات الثلاث في رئاسة محمد خاتمي. ومع ذلك فإن بإمكان روحاني أن يلجأ إلى أوراق أخرى لإنقاذ السياسة الإيرانية الخارجية، مثل العراق ولبنان وسوريا، حيث يمكنه أن يلعب دورا في توازن إقليمي قوي.
السعودية أيضا تواجه تحدياتها الخاصة على أكثر من صعيد، وقد أسهم حدثان بشكل خاص خلال السنوات الأخيرة في تحويل التفكير الاستراتيجي السعودي. الحدث الأول، التداعيات الداخلية والإقليمية لأحداث «الربيع العربي»؛ والحدث الثاني هو بروز خطر تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) في المنطقة. الحدثان جعلا كلا من السعودية وإيران تعيدان التفكير الاستراتيجي من جديد.
وقد حولت السعودية انتباهها إلى العراق مؤخرا وقررت فتح سفارتها في بغداد بعد نحو ربع قرن من غياب العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وهذا يشير إلى طريقة تفكير جديدة تناسب تطورات الأوضاع من قبل القيادة السعودية. السعودية بدأت تحركها نحو التقارب مع العراق بعد تعيين حيدر العبادي رئيسا للوزراء في العراق. كما أن المخططات السعودية المستقبلية لفتح قنصلية عامة في أربيل، عاصمة إقليم كردستان، تشير إلى مصلحة السعودية في تقوية نفوذها في شتى أنحاء العراق. هذا التحرك أثار تكهنات عدة، أحدها أن السعودية عازمة على العمل نحو نوع من التفاهم مع إيران من خلال إيجاد وضع تعمل فيه مع إيران لإيجاد نوع من النظام في المنطقة، والتعاون لاحتواء داعش في العراق وسوريا. الاحتمال الآخر هو أن الحسابات الاستراتيجية للسعودية مبنية على أساس أن إقامة علاقات مع العراق يمكن أن تساعد على تقليص النفوذ الإيراني في هذا البلد. لكن المؤكد أن تعاون السعودية وإيران يمكن أن يكون له تأثير إيجابي على إعادة استقرار سوريا ولبنان.
في وجه التطورات الجديدة في المنطقة، ربما قررت القيادة السعودية إعادة تقييم سياساتها وتعديلها تجاه إيران بما يخدم مصالحها الاستراتيجية. لم يكن توقيت تبني مقاربة دبلوماسية تعاونية بين إيران والسعودية أكثر حكمة منه في هذه المرحلة الصعبة التي تمر بها المنطقة. إذا حدث هذا السيناريو، فإنه قد يبشر بالخير ليس للسعودية وإيران فقط، بل لجميع دول المنطقة.
العلاقات السعودية – الإيرانية: نحو تقييم متوازن
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
