اشتهرت مكة منذ القدم بأنها مركز تجاري مهم، سواء ضمن حدود الجزيرة العربية أو التجارة خارجها، وذلك لموقعها المهم بين مجموعة من الطرق البرية والبحرية، وليس أشهر من رحلات قريش التجارية قبل الإسلام، وبعد الفتح الإسلامي زاد النشاط فيها، إضافة إلى توافد الحجاج إليها من أقطار الأرض نتيجة لانتشار الإسلام في عصر الفتوحات الإسلامية.
وكما يقول المستشرق بيرسون «لقد أحدث ظهور الإسلام، تغييرات عميقة في طرق التجارة في الشرق الأوسط، وكانت مكة مركزا تجاريا على قدر كبير من الأهمية، قبل عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- وخلال عصره، لكن انتشار الإسلام ومطالب الحج، تسببت في بعض التغييرات في الطرق الموجودة، حيث تم توسيع الطرق القديمة لأن زيادة عدد المسلمين، زادت من حركة الحج، وينطبق هذا على الطرق التي تربط مكة بمصر وسوريا واليمن والخليج العربي، كما ظهرت طرق جديدة، التي ربطت مكة بالعراق وفارس وعمان، وقد نتج عن ظهور الإسلام تركيز فريد على مدينة واحدة هي مكة، وفي وقت محدد من العام، فالقوافل يتم تحديد توقيت معين لها، لكي تصل إليها مبكرا في ذي الحجة» وتبعا لذلك عرفت مكة منذ فجر التاريخ مجموعة كبيرة من الوحدات النقدية، بل يمكن القول أنه لا توجد عملة سُكت في أرجاء الأرض إلا وتم تداولها أو صرفها في مكة عبر تاريخها الطويل، وتبعا لذلك كانت مهنة الصيرفة من المهن الرائجة، فنجد بأنها في مقدمة مهن العاملين في التجارة المكية، ومنهم من كان له وكلاء في الخارج، ولهم مواقع مهمة في أسواق مكة عرفت بهم، فقد ذكر الأزرقي المتوفى بمكة في منتصف القرن الثالث تقريبا، الصيارفة وأماكن تواجدهم في الأسواق المكية، في أكثر من موضع من كتابه «أخبار مكة»، كما ذكر الفاكهي أن سوقهم يقع في الجانب الشرقي من المسجد الحرام، ويستدل على وجودهم بكثرة بسبب تعدد أنواع العملات التي كانت تصل إلها، مما يعني الحاجة إلى وجود خبراء لتقييمها، أو مبادلتها.
وعند دخول مكة المكرمة ضمن نطاق السلطنة العثمانية في 923هـ، أصبحت العملات الرائجة هي عملات الدولة العثمانية في الدرجة الأولى، خصوصا فيما يتعلق بالوثائق الرسمية أو المحاكم، وإن كانت هناك الكثير من الوحدات النقدية الأخرى التي اشتهرت، حيث كانت تجلب مع الحجاج بكميات كبيرة، خاصة من الدول التي كانت لها عملات نقدية خاصة بها، كبعض الدول الإسلامية في الهند وغيرها، كما أن الدول التي خضعت للاستعمار، أو كانت أصلا تحت حكومات غير إسلامية، كانت عملاتها تصل عن طريق الحجاج من الأقليات المسلمة، يضاف إلى ذلك علاقة تجار ومطوفي مكة بالكثير من الدول ورحلاتهم السنوية إليها، ما جعلهم في حاجة إلى أنواع متعددة من العملات، مما كان سببا مباشرا في ازدهار ورواج مهنة الصيرفة وتعدد أنواع العملات فيها، كما أن الدولة العثمانية خلال فترات متفاوتة من حكمها شجعت تداول النقود الأجنبية لزيادة كمية المعادن الثمينة المتداولة في الولايات التابعة لها.
من العملات التي عرفت في مكة خلال العصر العثماني:السلطاني أو الذهب السلطاني: من الوحدات النقدية العثمانية، والتي بدأ ضربها في عهد السلطان محمد الفاتح، ووصلت إلى مكة قبل أن تخضع للحكم العثماني، حيث كان السلاطين يرسلون هداياهم ومبراتهم للحجاج خلال العصر المملوكي، واستمرت حتى القرن العاشر.
الطغراء، أو الطرة: وتعني الشعار والعلامة والتوقيع الخاص بالسلطان، وكانت بعض العملات تحمل هذا الشعار فعرفت به، وتنطق الطرة كما في اللهجة المكية.
إسلامبول: عملة عثمانية نسبت إلى مدينة إسلانبول أو إسطنبول عاصمة الخلافة العثمانية، وسبب نسبتها إليها كما يبدو أنه كان يكتب على أحد وجهي العملة ضرب في إسلامبول فعرفت بذلك محليا، ووصلت إلى مكة في القرن الثاني عشر، وكانت تساوي ثلاثة قروش، ويظهر أن هذه العملة هي نفسها التي كانت تعرف بالطرة، والتي سبق التعريف بها، حيث ينقش على الوجه الثاني، الطغراء الخاصة بالسلطان.
الطرة والذهب السلطاني... عملات عثمانية في مكة قديما ( 1 - 3 )
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
