ينبغي الاهتمام بهذه الحقوق سواء كان هؤلاء معاهدين ممن تربطنا بهم علاقات دبلوماسية ثنائية أو جماعية (كالمنظمات الدولية) أو ممن يعيشون في بلداننا بموجب الوسائل الحديثة (تأشيرات وعقود عمل وغيرها).
وهم أهل الذمة، والذمة كلمة معناها: العهد والضمان والأمان وإنما سموا بذلك لأن لهم عهد الله وعهد الرسول وعهد جماعة المسلمين أن يعيشوا في حماية الإسلام آمنين مطمئنين، فهم في أمان المسلمين وضمانهم، أي ما يشبه في عصرنا (الجنسية) السياسية التي تعطيها الدولة لرعاياها.
فالمجتمع المسلم يقيم العلاقة بين أبنائه المسلمين وبين مواطنيهم من غير المسلمين على أسس وطيدة من التسامح والعدالة والبر والرحمة، ولا يجرها إلى صراع دام مع المخالفين في الدين أو المذهب أو الجنس أو اللون.
دستور العلاقة مع غير المسلمين:وأساس هذه العلاقة مع غير المسلمين قوله تعالى «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين * إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون».
[الممتحنة: 8-9 ]فالبر والقسط مطلوبان من المسلم للناس جميعا (ولو كانوا كفارا بدينه ما لم يقفوا في وجهه ويحاربوا دعاته).
ولأهل الكتاب من غير المسلمين منزلة خاصة في المعاملة والتشريع.
فالقرآن ينهى عن مجادلتهم في دينهم إلا بالحسنى.
قال تعالى «ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون» [ العنكبوت: 46].
ويبيح الإسلام مؤاكلة أهل الكتاب والأكل من ذبائحهم، كما أباح مصاهرتهم والتزوج من نسائهم المحصنات والعفيفات.
وهذا في الواقع تسامح كبير من الإسلام، حيث أباح للمسلم أن تكون ربة بيته وشريكة حياته وأم أولاده غير مسلمة، وأن يكون أخوال أولاده وخالاتهم من غير المسلمين.
وقال تعالى: «وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وطعامكم حل لهم والمحصنات من المؤمنات والمحصنات من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن محصنين غير مسافحين ولا متخذي أخدان» [المائدة: 5 ].
ضمان المجتمع المسلم:والمجتمع الإسلامي مسؤول بالتضامن عن تنفيذ الشريعة، وتطبيق أحكامها في كل الأمور ومنها ما يتعلق بغير المسلمين.
وأشهر الأمثلة على ذلك قصة القبطي مع عمرو بن العاص والي مصر، حين ضرب ابن عمرو ابن القبطي بالسوط وقال له: أنا ابن الأكرمين.
فما كان من القبطي إلا أن ذهب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب في المدينة وشكا إليه: فاستدعى الخليفة عمرو بن العاص وابنه، وأعطى السوط لابن القبطي وقال له: اضرب ابن الأكرمين، ثم التفت عمر إلى عمرو وقال كلمته الشهيرة (يا عمرو متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً ؟).
ومثل ذلك أخذ الوليد بن عبدالملك كنيسة (يوحنا) من النصارى، وأدخلها في المسجد، فلما استخلف عمر بن عبدالعزيز شكا النصارى إليه ما فعل الوليد بهم في كنيستهم، فكتب إلى عامله برد ما زاده في المسجد عليهم، لولا أنهم تراضوا مع الوالي على أساس أن يعوضوا بما يرضيهم.
[البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 4-5].
ومثل ذلك سقطت درع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فوجدها عند رجل نصراني فاختصما إلى القاضي شريح، فالتفت شريح إلى علي يسأله: يا أمير المؤمنين، هل لك من بينة؟ فضحك علي وقال: أصاب شريح، ما لي بينة، وقضى شريح للنصراني بالدرع، لأنه صاحب اليد عليها، ولم تقم بينة علي بخلاف ذلك، فأخذها هذا الرجل ومضى، ولم يمش خطوات، حتى عاد يقول: أما إني أشهد أن هذه أحكام أنبياء، أمير المؤمنين يدينني إلى قاضيه فيقضي لي عليه! أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، الدرع درعك يا أمير المؤمنين، اتبعت الجيش وأنت منطلق من صفين فخرجت من بعيرك الأورق، فقال علي رضي الله عنه: أما إذ أسلمت فهي لك.
[البداية والنهاية لابن كثير ج8 ص 4-5].
ضوابط معاملة غير المسلمين
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
