ربما يظن البعض أنني سأتحدث في مقالي اليوم عن وقائع فيلم من النوع المحزن (تراجيدي) أو قد يظن البعض أن الحديث سيكون عن فيلم رعب قد لا يطيق إكماله، لكن الأكثر رعبا وأشد إفزاعا هو عندما يعلم الجميع أنني سأتحدث عن أمر واقع قبل أيام قليلة، ونشرته صحفنا المحلية، وتصدر عناوينها، واحتل الصفحة الأولى وبالصور الموثقة! لقد سقطت طائرة بالفعل وأغلقت الطريق الدائري، وفي مشهد مدهش كأنه جزء من الأفلام التصويرية، وقف المارة وسالكو الطريق أمام هذا المشهد متعجبين مما يرون، طائرة على متن شاحنة تسقط فجأة، يتم إغلاق الطريق وتتعطل مصالح الناس، في منظر أقل ما يمكن وصفه بالمشين.
وتساءلت في نفسي: هل من تبرير، أو على الأقل تفسير لما جرى، فهو يحدث لأول مرة، والمفترض أن يواجه بحزم لا نظير له؟! وهنا كانت المفاجأة، تأخر البيان كالعادة، وأخذ الناس يخوضون ويمعنون تفكيرهم في التأليف والابتكار، بين زيادة ونقصان وقول وقولين، وكانت مواقع التواصل الاجتماعي وبرامج الجوال مجالا فسيحا، في حين الجهة المعنية تلتزم الصمت، وكأن الأمر لا يعنيها.
ولذا فقد خلت الصحف الصادرة يوم الأربعاء الماضي من تصريح للناطق الإعلامي، ولا يوجد تبرير مطلقا على الصفحات، وكل ما هنالك إشارة لمصادر خاصة بكل صحيفة، في إجراء يفترض أيضا ألا يمر مرور الكرام.
والمفترض أن تواجه مثل هذه الحالات بإجراء عقابي؛ فلا يعلم القارئ ماذا يترتب على تصريح مدير وحدة الأمن والسلامة بمرور المدينة، والذي نص على أن إجراءات الشركة الناقلة تفتقد لوسائل الأمن والسلامة، وأن الشركة لم تنسق مع الجهات المختصة قبل البدء في نقل الطائرة بهذه الصورة غير الآمنة!وقد لاحظ الجميع غياب الدور العقابي، ويبدو أن النظام ليس له وجود أصلا في مثل هذه الحالات، وبالتالي لم يذكر التصريح العقوبة، ولم يشر إلى وجود تحقيق يترتب عليه شيء من ذلك.
والناظر للصور المنشورة، وقد تداولها المتداولون على نطاق واسع، يدرك للوهلة الأولى أن العملية كانت بدائية جدا، وكل ما هنالك طائرة سقطت قبل نحو أربع سنوات واعتبرت تالفة، وتم الاتفاق على تقطيعها ونقلها للمنطقة الجنوبية، وهنا تضاربت الأقوال ما بين قائل إنها كانت تبرعا من الخطوط لأمانة منطقة عسير، وآخر يقول إنها بيعت لصالح مصنع ألمنيوم بعد تجريدها من كل شيء!مثل هذه الحادثة تنبئ عن وجود قصور شديد في عملية التكامل بين الأجهزة والإدارات، والمؤلم هو غياب الأنظمة التي تحدد تلك العلاقة وتؤطرها، فلا تعمل كل جهة بمفردها، وبحسب مصلحتها وتفعل ما يروق لها وبمعزل عن الجهات والإدارات الأخرى.
وبالعودة إلى الطائرة فإن هيئة الطيران المدني يفترض أن تمتلك الشجاعة للاعتذار، وألا يفلت المتسبب من العقاب، والتزامها الصمت بحد ذاته مخالفة للأوامر السامية القاضية بالتعامل وبشكل عاجل مع وسائل الإعلام، وهذه ليست المرة الأولى التي يتأخر فيها بعض الناطقين الإعلاميين عن البيان والتوضيح.
وكم هو مؤسف أن تتبع بعض أجهزتنا وإداراتنا الطريقة التقليدية في الظهور والإجابة عن الاستفسارات، وذلك من خلال إصدار بيان ورقي يتم توزيعه؛ فبعد أن تمتلئ المواقع والبرامج وبطبيعة الحال المجالس وربما وصل الأمر إلى القنوات الفضائية والإذاعات، يأتي بيان باهت وبشكل متأخر جدا، قد افتقد قيمته وتلاشت فائدته.
وليتنا نستفيد مما يجري حولنا في بعض الدول؛ فبمجرد وقوع حادث معين يظهر المسؤول ويجيب عن أسئلة الإعلاميين، وربما أعلن إقالات في جهازه، وأحيانا كثيرة يعلن استقالته إذا كان الأمر يستدعي ذلك.
إن مليكنا وهو ينادي دوما بالشفافية يفترض أن يكون قدوة للجميع، فقد أعلن لشعبه مرارا وتكرار أمورا تصلح أن تكون مثالا لذلك؛ لتأتي جهات وإدارات وتحتجب ولا تظهر الحقيقة آنيا في إجراء غير مبرر؛ فما الفائدة المرجوة من إيجاد ناطق إعلامي، إذا تأخر التوضيح عن وقته، ولم يتم التصريح في حينه؟ [email protected]