يغازلونها..يضاحكونها..تتأبَّى على هذا وتلين شيئاً قليلاً لذاك..كلٌّ يخطب ودَّها..ويدِّعي وصلها..وفجأةً تنهض و(تجطلهم) جميعاً، شاهقةً مع (الحلا كله): حبيبي نده لي/ افتحوا لي الطريق!

إنه (إبراهيم) المبدعين (مفتاح) الإبداع، عشيق “الكلمة” الجميلة شعراً ونثراً، قصيدةً وخاطرةً ومقالةً وكتاباً !!

فرسانيٌّ طوَّق الدنيا كلها بإسوارةٍ من ماء..عصامي الإرادة كصخور (العَبَلَات) أو (الأبلات) حسب “ابن ماجد”..معلِّمٌ معطاءٌ كنخيل “القِصار”؛ كما وصفه “عبدالمحسن يوسف” تلميذه في الحب والــ...هل يعرف (إبراهيم مفتاح) غير الحب؟

شاعرٌ من طراز (عبدالله البردُّوني) يغوص إلى قاع البحر ولا يصيد إلا لؤلؤاً حُرَّا ينظم منه بصبر المواويل وأناقة الدانات قلائدَ لا تشعر أنه تعب فيها لحظة!!

فنان يجري الإبداع دماً في شرايينه، تعلَّم من الحكماء أن الدم أكثر شيءٍ نخافه رغم أنه يجري في عروقنا؛ وهذا سرُّ تواضعه الخجول كامرأة من (عُبُوسِ المسيلة) لا تكشف عن فمها حتى في بيتها بين محارمها!!

في كتابه (فرسان..الناس..البحر..التاريخ) “يزيدك حسناً كلما زدته نظراً”ـ كما يقول النواسي ـ فهو مؤرخ أكاديمي صارم، لكنه شاعرٌ لم يتب نبضةً واحدة عن عشق هذه الفاتنة، “ما أسخفَ العُشَّاق إن هُمْ تابوا”، كما يقول “النزاري”؛ ولهذا فما إن تنهي الكتاب حتى تشعلك الرغبة بقراءته من جديد بعد أن قذف معشوقته في قلبك وكأنك أنت من (خُتِنَ) في (المحرق) وتعلَّم صيد (الحريد) على ساحل (القبر)، وودعته النساء في (أم العسل) منشداتٍ: (ودَّعْتَ بَكْ يا ضِلْع جَنْبي اليمين)!!أما في (خرف مبكر) فهو فيلسوفٌ يصعقك بالسؤال ابتداءً: هل يدفعنا الخرف (الزهايمر) إلى النسيان أم إلى التذكُّر؟ فإذا عشتَ معه هذا السرد الباذخ العفوية أدركت أن الخرف ليس إلا انعتاقاً لعصافير البوح، وتحرُّراً للعقل الباطن من قيود كبلته طويلاً !!