أعترف أنَّ قراءتي الدَّائمة للفصول الَّتي أنشأها يحيى حقِّي في نقْد الأدب والفنّ، قدْ حرَّرتْني مِنْ دعاوَى المنهج وأوهام النَّظريَّة، وجعلتْني أُخَفِّف مِنْ غلوَاء ذلك النَّقْد الَّذي حَبَا وترعرع في كنف الجامعة وأساتذتها، بَعْد أنْ فُطِمَ، سريعًا، مِنْ حِضْن الأدب والفنون.
يحيى حقِّي في أصْل تكوينه قارئٌ مذهل للحياة، يقرؤها في أثرٍ قَصَصِيٍّ يُنْشئه، أوْ فصْل اجتماعيٍّ يذيعه في النَّاس، أوْ تعليقٍ نَقْدِيٍّ على قصيدة أوْ رواية أوْ مسرحيَّة.
لكنَّه، في كلّ أولئك، قريبٌ مِنَ الفنّ ومِنَ النَّاس معًا، يكتب عنِ الأثر الأدبيّ الَّذي مَلَكَ عليه نَفْسه، بِلُغَةٍ فيها بَصَرٌ حديدٌ بالفنّ وبالجَمَال، لا يستكبر فيها على النَّصّ ولا على القارئ، وتراه يسوق خِبْرته المذهلة بالفنّ سَوْقًا يسيرًا، يُداخِلُ فيه الهَزْلُ الجِدَّ، ولا يَسْتطيل على القارئ، وأحسبه لا يستطيع، برطانةٍ أعجميَّة، بلْ إنَّه يُفَصِّح العامِّيّ، ويُعَمِّم الفصيح، وغايته الَّتي تَجَرَّد لها أن يكون قارئًا للفنّ والأدب والجَمَال، وذلك حَسْبه.
وأنا أقرأ نَقْد يحيى حقِّي لا أدفع عنْ نَفْسي خيالًا طريفًا يُجْلسه في قهوةٍ شعبيَّةٍ، في حارَةٍ مِنْ حَارَات القاهرة، يَلْتَفّ حَوْلَه أصدقاؤه مِنْ أهل الفنّ والأدب وطُلَّاب البَسْط والسُّرور، يَنْثُر عباراته تارةً في قصيدة، وأخرى في مسرحيَّة، ويطلب إلى جلسائه وإلى قُرَّائه أن يَستنقذوا النَّقْد مِنْ أيدى الدَّكاترة النُّقَّاد، وأن يُلِينوا كبرياءَه، ليتسكَّع مع النَّاس في أنديتهم وقَهْواتهم، على مَبْعَدةٍ مِنْ نظريَّاتهم الَّتي حكموا فيها على الفنّ والأدب بالمؤبَّد، فلا أدب رائعًا خارج سِجْن النَّظريَّة، ولا فنَّ إلَّا ما استنام لرطانتهم، أمَّا النَّقْد الَّذي يرجوه يحيى حقِّي فليس إلَّا علاقة حُبٍّ بين طَرَفين "قارئٍ عاشق ومؤلِّفٍ معشوق"، لا وسيط بينهما إلَّا الذَّوْق وإلَّا الوجدان وإلَّا المزاج.
وحينئذٍ يستعيد النَّقْد رداءه القديم، بَعْد أنْ تَقَاذَفَتْه النَّظريَّات، ويجلس النَّاقد بين الأدباء والفنَّانين يَنْثر عليهم عِطْر النَّقْد، فتصبح الكتابة، كما أراد، "عِطْر الأحباب"، هذه العبارة - الَّتي لَوْ لمْ تكنْ عنوان كتابٍ مِنْ أجمل ما كَتَبَ يحيى حقِّي- لَصَحَّ أنْ نَتَّخِذها العنوان البارز لتلك اللُّغة النَّقْدِيَّة الَّتي عَرَفْناها في كلّ ما أنشأه مِنْ كُتُب.
[email protected]
عِطْرُ النَّقْد
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
