معظم أحاديث أبناء الجيل السابق حينما يلتقون تحفها ذكريات الأمس بعبقه وجماله، فيما اصطلح عليه الزمن الجميل،فهم لا يزالون يتذكرون كيف كان للمدرسة دورها التربوي والتعليمي الكبيرين في المجتمع، وكيف أن المعلم كان يحظى بمكانة مرموقة، وله هيبة في المجتمع، حتى إن بعض الآباء كانوا يخوّفون أبناءهم حينما يهملون في أمر ما، بأن يخبر أحدهم المدرّس بما جرى منهم، وإن كان هذا أسلوبا غير تربوي قد يشوّه المدرسة في أنظارهم.
اليوم لم تعد المدرسة تؤدي دورها بالشكل المناسب بسبب تعدّد مصادر التربية، فالشارع والقنوات الفضائية، والعمالة الوافدة، والأصدقاء، ووسائل التواصل الاجتماعي (فيس بوك، وتويتر، والانستقرام والكييك...إلخ»، كلها تشارك المدرسة والأسرة تربية الأبناء.
والمشكلة حينما تربي للأسوأ،كما أن تعامل هذا الجيل مع التقنية بشكل مذهل صعّب من مهمة المعلم في ممارساته التدريسية، إن لم يحاول مواكبة الجديد في عالم التعليم من طرائق واستراتيجيات وأساليب واتجاهات نحو تقنية التعلم وحوسبته، والأخذ بأساليب التعلم النشط.
بل المهمة تصبح عسيرة أمام المدرسة والمعلم في تربية وتعليم الجيل، فلم تعد الأساليب التقليدية تقنعه.
وبعودة لدور المدرسة المفقود لهذين السببين، هناك عوامل أخرى أسهمت في ضعف دور المدرسة التربوي، من أهمها أن الأسرة، فهي لم تعد ترعى أبناءها بسبب انشغالها عنهم.
فغياب دورها التربوي المعتمد على الرقابة اللازمة للتربية، أتاح الفرصة لجهات أخرى القيام بالدور التربوي بدلا عنها.
والخطير في الأمر أن الأبناء بسبب فقدانهم للتجربة والنضج في تمييز الصحيح من الخطأ، أصبحوا صيدا سهلا لمصادر التربية المتعددة، لتشكل لهم أخلاقيات وسلوكيات خطيرة، مستهجنة ومستوردة، وهذا ما يفسر الإفرازات الانحرافية الغريبة على مجتمعنا من ظهور جرائم القتل والعنف، والانحرافات الخطيرة في السلوك، وتعاطي المخدرات، والوقوع في الابتزاز بسهولة بسبب ضعف دور المدرسة التربوي، وتشاغل الأسرة وضعف دورها التربوي، وتركيزها على الرعاية المادية فقط، وبسبب إدمان الأبناء من الجنسين الجلوس أمام التقنية بما توفره من تواصل اجتماعي مخترق للحدود، ووجود إعلام فضائي مفتوح، تعتمد فيه القنوات العربية على نسخ البرامج الغربية وتقليدها.
وهي برامج لا تحمل غذاء فكريا أو ثقافيا أو تعليميا يسمن عقولهم، ويسند ثقافتهم، ويحفظ هويتهم،بل جلّ مضمونها المتعة والتسلية وفي أقبح صورها، حيث صنعت منهم جيلا خاويا مسترخيا..وهي تقدم لهم ببريق وبهرجة وإغراءات، تجعل الأحلام والآمال عند صغارنا أن يصبحوا من نجومها أو من أبطالها ذات يوم.
بطبيعة الحال هذا الجّو الذي يعيشه الأبناء يجعل مهمة المدرسة صعبة في أدوارها التربوية.
ومن الظلم أن تحمّل وحدها وزر ما نتج من انحرافات وسلوكيات خطيرة، وإن كنت لا أبرّر لها الانسحاب من وظيفتها، أو أن تضعف عن ممارسة دورها التعليمي والتربوي معا، فهي تحفل ببرامج علمية، ورياضية، وثقافية وأنشطة متنوعة، تمكنها من ممارسة دورها التربوي لطلابها وبناء شخصياتهم وتعزيز القيم في نفوسهم أمام ما يواجهونه من تحديات، وعدم التركيز فقط على ممارسة دورها التعليمي وحده، ولهذا يجب أن تحظى كل مدرسة ـ بصرف النظر عن عدد طلابها ـ برائد نشاط مفرغ، وأن يضاف للمدرسة عنصر مهم باتت الحاجة ماسة إليه، وأعني به المرشد النفسي، وتكون مهمته المهنية داخل المدرسة معالجة السلوكيات وإيجاد الحلول للطلاب الذين يعانون من عنف وأمراض نفسية، ومشكلات أسرية، ومضايقات اجتماعية كالابتزاز، ومراقبة حالات التعاطي المبكر للمخدرات قبل الوقوع في براثنها، وملاحظة نشوء سلوكيات انحرافية قد تظهر مبكرا عليهم، حتى يتمكن من مساعدتهم داخل المدرسة، وبطريقة سرية، بدلا من اللجوء للجهات المخولّة لتلك المهمة، وذلك من أجل توفير الأجواء الصحية للتعلّم داخل المدرسة، على أن يتفرغ المرشد الطلابي لمتابعة التحصيل الدراسي للطلاب، وإيجاد تواصل جيد مع أسرهم، وتحليل نتائجهم الدراسية، والإفادة من نتائج الاختبارات الفصلية وغيرها في رسم خطط المذاكرة، وإعانتهم في أساليب حل الواجبات، وتهيئة أجواء الاستعداد للاختبارات، وتزويدهم بالممارسات الجيدة للتحصيل المعرفي.