على بعد أقل من 100 متر من الفندق الذي أنزل فيه، يرفرف العلم الروسي فوق برلمان شبه جزيرة القرم.
في داخل البرمان يجلس جنود روس، وجوههم مغطاة بأوشحة وهم يحملون أسلحتهم، فيما وقف في الخارج بعض رجال الميليشيات القوزاق.
هناك المزيد من الجنود داخل مبنى مجلس الوزراء في ساحة لينين، حيث عين زعيم جديد جمع في الانتخابات الماضية 4 % من الأصوات واستولى على السلطة في ظروف مريبة وعين فريقه.
لا أحد يجب أن يتوهم إطلاقا حول ما يجري في شبه جزيرة القرم.
روسيا، في عهد رئيس له تاريخ معروف بعدم احترامه لحقوق الإنسان، تضم جزءا من بلد آخر.
صحيح أن أغلبية هزيلة من سكان شبه جزيرة القرم هم من الروس.
لكن ذلك لا يعني أنهم جميعهم يريدون أن ينضموا لبلدهم الأم المفترض، ولا يبرر غزوا يعتمد على الأكاذيب.
ويجب إضافة أن هناك أقلية مسلمة لديها سبب تاريخي لتخاف من روسيا تتمتم حاليا للقتال في مواجهة الروس.
هذه أكبر أزمة في أوروبا منذ حروب البلقان الدموية.
بعد أن رأينا أبلها مؤيدا لروسيا يحمل بندقية يضرب أحد المحتجين، قال لي مراسل حربي مشهور إن المزاج مشابه بشكل مخيف للأيام الأولى لذلك الصراع المخيف.
علينا أن نأمل أنه مخطئ وأن هذه الأزمة يمكن احتواؤها.
لكن فلاديمير بوتين أظهر مرة أخرى عبقريته السياسية، واسترجع شبه جزيرة القرم دون إطلاق طلقة واحدة، فيما يتخبط القادة الغربيون الضعفاء بحثا عن رد.
من خلال مشاهدة روسيا وهي تصعد الضغوط، ومع كل تحول غير متوقع في هذه الملحمة التي تتطور بسرعة، حتى المحللون المخضرمون يعترفون بأن من المستحيل توقع خطة بوتين طويلة الأمد وهو يحرك المشاكل في أوكرانيا.
حيث إنني موجود هنا منذ ثلاثة أسابيع تقريبا، أولا في كييف حتى تكومت الجثث أمامي، وهنا في جزيرة القرم حيث يزداد المزاج قتامة، من المؤلم رؤية كيف يمكن أن يفسر الناس الأحداث بطريقة مختلفة بالرغم من التشابه الثقافي القوي.
الكثيرون لديهم علاقات عائلية عبر الحدود.
لكن أحد الأطراف يؤيد المحتجين في كييف على أنهم أبطال؛ بينما يعتبرهم الطرف الآخر نازيين.
ربما أسوأ ما في الأمر أولئك الذين على جميع الأطراف الذين يبدو أنهم يفترضون أن هناك نوعا من المساواة الأخلاقية بين موسكو وكييف.
يجب أن يكون هناك وضوح أكبر حول ما حدث الشهر الماضي في أوكرانيا، بدلا من ممارسة لعبة بوتين بالتظاهر بأن ما حدث يعارض الديموقراطية وأن البلد سيطر عليه فاشيون ورجال عصابات.
بعد قتل عشرات المحتجين الذين لم يكونوا يحملون سلاحا، تم التوصل إلى اتفاق مع دبلوماسيين أجانب بأن يتخلى الرئيس المنتخب عن بعض سلطاته للبرلمان.
بدلا من ذلك، فيما بدأ مؤيدوه يتحولون إلى الطرف الآخر للنجاة بأنفسهم، هرب الرئيس – وخلال ساعات، بدأت ادعاءات بقيامه بسرقة أموال من خزينة الدولة بالانتشار.
كان ذلك بعيدا عن أن يكون انقلابا، وتقليص سلطات الرئيس واستعادة الديموقراطية بعيدة كل البعد عن الفاشية.
ليس هناك شك بأن هناك بعض الشخصيات البغيضة تلعب أدوارا بارزة في كييف؛ الأخبار بأن رئيس الميليشيا اليمينية المتطرفة برافي سيكتور يرشح نفسه لمنصب الرئاسة لا يمكن أن تكون إلا هدية رائعة لموسكو رغم أنه لا يملك أي فرصة للفوز.
والحكومة الجديدة ارتكبت أخطاء سيئة، لكن هذا أمر متوقع إذا أخذنا الظروف الراهنة الصعبة في الاعتبار.
الكثيرون من الأوكرانيين، في كل من كييف وشبه جزيرة القرم، يريدون أن يرد الغرب عسكريا على ما حدث.
هم ينظرون برعب وعدم تصديق عندما أقول لهم إن هذا لن يحدث.
لكن علينا أن نستيقظ ونقف بثبات أكبر خلف الديموقراطية الوليدة التي تتعرض للهجوم في أوروبا.
بدلا من ذلك، نرى بوتين وهو يسرق شريحة بعد الأخرى من بلد آخر – وقادتنا يلغون رحلات إلى شوتشي ويتخلون عن مخططات لتسريع التأشيرات للمواطنين الروس.
تستطيع تقريبا أن تسمع الكرملين وهو يضحك ساخرا.
* الإندبندنت