كثيرا ما ننسى أن القراءة ليست حالة اعتباطية، لكنها مؤسسة قائمة بذاتها، بضوابطها وأجهزتها.
من الناشر بأجهزته المختلفة إلى لجنة القراءة الداخلية التي ليست خارج التجاذبات الإيديولوجية والسياسية وحتى الذوقية، إلى التصنيع بكل تقنياته المتطورة، إلى الماركتينغ وأشكاله التسويقية، إلى الموزع الذي له شروطه وأمكنته ووسائله، إلى جهاز الرقابة المتعدد التخصصات التي تمس كل ميادين النشاط البشري الدينية والاجتماعية والسياسية، الذي يسمح أولا يسمح لكل الجهود السابقة بالمرور أو بعدمه.
من هنا يصبح سؤال القراءة أكثر تعقيدا مما نتصور، ويجب أنلا نسطحه لأننا في هذه الحالة سنتصدى للانعكاسات الطبيعية وننسى جوهر الإشكال.
نكون مخطئين في تحليلنا عندما نكتفي بالصراخ والتنديد بكسل القارئ الغائب الذي ليس في النهاية إلا محصلة لسلسلة من الممارسات السيئة والإحباط أيضا.
قبل اللوم يجب ضرورة طرح سؤال دور النشر والمؤسسات الثقافية العربية المختلفة التي لا تقوم بأي جهد للترويج للكتاب، وماذا تفعل تسويقيا على الأقل، لتجعل الكتاب مرئيا وفي متناول القارئ؟ ماذا تفعل وزارات الثقافة العربية ليكون الكتاب، الذي أصبح غاليا، في متناول القارئ الذي تواجهه صعوبات حياة تزداد قسوة كل يوم؟ دارا مثل غاليمار الفرنسية مثلا تمتلك وحدها أكثر من ألف نقطة توزيع لمنشوراتها.
من الناشر العربي الكبير ماديا على الأقل، الذي يملك هذه البنية التحتية؟ من الناشر العربي الذي يخسر مليما واحدا للترويج للكتاب ليصل بسرعة إلى المستهلك أو القارئ؟ النشر يعني أيضا المغامرة لأنها نشاط ثقافي ولكن تجاري أيضا.
أستغرب كثيرا كيف نتحدث دوما عن عدم القراءة وننسى سلطان المؤسسة الضابطة لذلك كله،ولا نتحدث أبدا عن قارئ نوعي بدأ يولد في عالم عربي أصبحت مطالبه دقيقة ولم يعد يكتفي بالعموميات والتسطيحات العامة.