بعد تجريم بيانات وزارة الداخلية السعودية لجماعات الحركات الإسلامية المتطرفة لا سميا أن الرؤية أصبحت أكثر وضوحا ودقة لتحديد المستهدف وتعرية فكره بكل موضوعية، ويمتد هذا لأهم مكان تراكم وجودهم فيه ويكاد أن يكون حكرا لهم خلال العقود الماضية وهو البيت الجامعي.
على أية حال تعرية الفكر الأكاديمي الحركي أمام الجمهور ضرورة لمصارحة قناعات الرأي قبل أن تغلب عليها العاطفة.
في الجامعات السعودية وبعد مرور أزمة الصحوة عانت الرئة الأكاديمية من تلوث فكرها السليم، فبدلا من أن توجه أنشطة الجامعات ونجومية أساتذتها الطلبة الشباب للمعرفة الاقتصادية وتنمية الوطن وتحفيز قيم المواطنة والشراكة الاجتماعية قبعت العقول الشابة خلال هذه العقود في جدالات سياسية إسلامية وفي مناظرات أيديولوجية علا شأنها بجرأة وقحة تضخمت اضطراديا خلال العقود حتى أصبح لدى كل سعودي أداة قياس يقيس بها تدين خصمه السعودي المقابل، ومع أن كلاهما مسلم وبغض النظر عن الدستور السعودي المستمد لتشريعاته من القرآن الكريم والسنة النبوية الطاهرة، دأب حركيو الإسلام السياسي من النجوم الأكاديميين المشهورين على ضرب العمود الفقري لقيم المواطنة والولاء للبلد ورغبات التطلع من أجل المستقبل المشرق من خلال ضخ خريجي الجامعات في أرجاء البلد بعد تلقينهم التطرف واليأس والنظرة السوداوية وتعميتهم عن كثير من سماحات الدين.
عمل الحركيون الأكاديميون داخل الرواق الجامعي على الحشو الديني للطلبة والمصمم لأهدافهم خارج الجامعة، ثم يخرجون خارج أسوار الجامعات لالتقاف طلبتهم عبر المزايدة على قضاياهم ومشكلاتهم الاجتماعية وتأجيجها وربطها بضرورة التأليب على الدولة في تجييش الرأي ضد قضايا الفقر والبطالة والفساد وتوظيف المرأة وغيرها، مغطين أعين جيوشهم وجماهيرهم عن الجزء الأهم في الصورة وهو فسادهم الأهم بضلوعهم في قضايا انتشار الواسطة والعلاقات الشخصية والفساد الإداري وسيطرتهم على المشاريع والعقود والسمسرة وإهمالهم المتعمد عن توعية الناس بحقوقهم للمطالبة بها فضلا عن انتشار الإنفاق الباذخ بين فئات الحركيين مقابل الفقر المنشر بين الفئات التي لا تنتمي لهم.
خلال هذه العقود التي تمكن فيها نجوم الإسلام السياسي من النيل من مفاصل الريادة في الجامعات لم يتوانوا مطلقا وبدون شفقة عن إزاحة كل ضد لهم من التكنوقراطيين وغير المهتمين بحركات الإسلام السياسي وأحزاب الكنبة الأكاديمية.
حرص قياديو الجامعات في كل مناطق المملكة من المنتمين لدولة البيعة الخفية القادمة من رحم الدولة القائمة على التعاضد فيما بينهم بسحق كل عدو أكاديمي يمجد الدولة القائمة لأنه من وجهة نظرهم سيكون رمزا لنظام سيادي ستتم إبادته متى ما حانت ساعة الصفر.
نتيجة طبيعية مهما تجاهلناها أن من وضعوا على مفاصل القيادة في منظومات مؤسسات التعليم العالي قد شكلوا تراكميا أهم عائق حد من ممارسة الشباب السعودي لقيم المواطنة لتعمدهم اللعب على وتر قضايا الهموم المشتركة والإسهام في خلقها عمدا.
ومن ثم فوجود شبكة عنكبوتية في الجامعات نشأت وترعرعت في ظل امتياز اللامركزية مع الوزارة خلق مظاهر الواسطات وتنفذ العلاقات الشخصية للحصول على الامتيازات والترقيات وتغطية فضائح الفساد بينهم وإيهام المسؤولين وتضليلهم، مما أدى لانتشار الفساد بأنواعه إداريا وماليا وعلميا وأخلاقيا!هذه الأجواء حينما يقارنها الطالب الجامعي أو الخريج الذي يملك النزعة التكنوقراطية والمعدل العالي ويجابه بالرفض في الانضمام للعمل الأكاديمي مقارنة بالخارج ويتم الالتفاف على مصالحه وتطفيشه داخل الرواق الجامعي، عمل على الشعور بالتقاعس والخيبة في الحصول على الحقوق التي تتعرض للامتهان.
صدور قانون التجريم في أحسن أحواله يفترض أن يعيدهم مرؤوسين في تلك المفاصل القيادية، لأن الاحتقان الأكاديمي لا يرى فيهم عدالة إلا بإبعادهم عن رئة الجامعة حتى تتنفس العلم والتنافس المعرفي من جديد.

[email protected]