بالنسبة لرجل جديد على العمل، رئيس الوزراء الأوكراني، أرسيني ياتسينيوك، يثير الإعجاب، بالفعل، أداؤه مدهش بمقاييس أي قائد وطني خدم فترة طويلة.
في رده على رفض وزير الخارجية الروسي الدخول في أي محادثات مباشرة مع بلده، وعدم الرد بشكل مناسب من القوى الغربية على هذا العناد، كان رد رئيس الوزراء الأوكراني “ماذا حدث؟ ماذا يجري مع الأمن الأوروبي؟ هل نحن مجانين؟” كان الأمر مذهلا وعيبا إلى حد كبير.
كانت دولة مستقلة تتعرض للغزو والاحتلال من جيش دولة أخرى بينما كانت باقي دول العالم تقف جانبا وتنفث شيئا من الدخان، بعد اللقاء في بروكسل بين قادة الاتحاد الأوروبي، قال رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون إن روسيا ارتكبت انتهاكا فاضحا للقانون الدولي، وماذا جاء بعد ذلك؟ ليس كثيرا.
معظم ما تم اقتراحه بشكل مباشر جاء تحت عنوان عدم التعاون وتكتيكات إضاعة الوقت، مثل النقاشات حول تأخير تحرير التأشيرات، تأخير المحادثات الأولية لاجتماع الدول الثماني الكبار G8، وغير ذلك من الكلام الفارغ، كانت هناك أيضا تحذيرات حول أمور قادمة أكثر سوءا إذا استمرت روسيا في ما تفعله، ولكن بقيت هذه الأمور غامضة.
في نفس الوقت، فيما يحاول قادة 28 دولة أن يقرروا ما هو الشكل المفيد الذي يمكن أن يأخذه غضبهم حول هذا السلوك غير المقبول، قامت روسيا عمليا بضم شبه جزيرة القرم.
هذه أخطر أزمة تمر بها أوروبا هذا القرن، الاتحاد الأوروبي أعلن بشكل جماعي أن هذه الأزمة أمر شائن أخلاقيا وسياسيا وقانونيا، وذلك الإعلان كان أقصى ما فعله الاتحاد الأوروبي، قادة روسيا قالوا إنهم لن يقبلوا “لغة العقوبات والتهديدات”، لكنهم لن يقلقوا كثيرا إذا عرفوا أن الأمر لن يتعدى الكلام.
لكن القادة الوطنيين لم يكلفوا أنفسهم حتى عناء التظاهر أن هناك مجالا للمناورة.
معظم دول أوروبا الغربية تعتمد على الروس من أجل الغاز الطبيعي، وهي تحتاج لاستثماراتها لتغذية التعافي الاقتصادي ولا يمكن السماح لأي شيء بأن يعرض ذلك للخطر.
من ناحية ثانية، كانت لتقليص ميزانية الدفاع الأمريكية والبريطانية مدلولا مقلقا، خاصة أن ذلك جاء مع هذه التطورات في أوكرانيا، تقليص الميزانية تم تبريره بأن أعداد العناصر في الجيش ليست ضرورية، الدفاع في القرن الحادي والعشرين يتعلق بمنع الصراع باستخدام وسائل تكنولوجية، الأمر يتعلق بتدمير معسكرات الإرهابيين أكثر منه خوض حروب برية: استخدام طائرات بدون طيار بدلا من وجود عسكري على الأرض، لكن هذا لا يبدو مفيدا في أوكرانيا، التي تخلت عن أسلحتها النووية على أمل أن يحميها الناتو.
باراك أوباما قام بتحرك أفضل قليلا من الاتحاد الأوروبي في أوكرانيا، لكن ذلك يأتي ضد ميوله، هو يعتقد أن مهمته كرئيس ليست قتال أعداء أجانب –حتى بأسلحة اقتصادية، لكن مسؤوليته هي القضاء على الفقر داخل أمريكا وتقديم نظام رعاية صحية أفضل للأمريكيين.
قد يقول المرء إن ذلك ليس خطأ، إذا قرر الغرب إنفاق كل ثروته على رعاية شعوبه، فإن العالم ستكون حالته أفضل، ولكن هل هذا صحيح؟ أليس هناك شيء سيئ حول التفكير بأن مهمة الحكومة هو تقديم الخدمات الاجتماعية؟ خاصة عندما يبدأ التدخل الاجتماعي بالهيمنة على وظائف كانت من مهمات الأسرة أو المجتمع؟إن افتراض أن مهمة الدولة هي تولي مسؤولية الأطفال الذين بدون آباء وشؤون الأسرة أمر جديد في الحياة الديمقراطية الغربية، وهو مفهوم جدلي من الناحية السياسية بحد ذاته، لكن ما لا تتم ملاحظته بشكل كاف غالبا هو أن هذا المفهوم يمثل تغييرا في مفهوم ما هو متوقع ومطلوب من الحكومات، وهذا له آثار عالمية كبيرة.
إذا كانت دول الغرب مشغولة تماما بنوع من النرجسية بحيث إن رفاه المواطنين في الداخل هو القلق الشرعي الوحيد لها، فإن العالم سوف يصبح مكانا أكثر خطورة بالتأكيد.
لن تكون هناك قوة لأي شجب لأعمال تنتهك القانون الدولي في الواقع، علينا أن نتخلى عن مفهوم القانون الدولي بالكامل، الدول المارقة والمستبدون المهووسون سيكونون أحرارا في ارتكاب جميع الجرائم ضد شعوبهم أو شعوب الدول المجاورة دون خوف من أي شيء يتعدى الخطاب الطائر.
* ديلي تلجراف