يقترب موعد الهنود، مع استحقاق الانتخابات العامة للبرلمان («لوك صبحا» الـ16 في تاريخ البلاد منذ الاستقلال) فيما المؤشرات تُنبئ بهزيمة ساحقة لحزب المؤتمر الحاكم، الذي سَلَخَ من العمر 128 عاماً متصدراً الحياة السياسية، أوصل فيها بلاد الهند، إلى الاستقلال ثم إلى حال النهوض وإلى النادي النووي!وفي الواقع، كان «المؤتمر» الذي يحكم مع ائتلاف لأحزاب يسارية، قد أطاح بنفسه مسبقاً، لتجاهله ممارسات فساد تستشري في البلاد.
فقد تأسس لمحاربة هذه الظاهرة، في منتصف العام 2011 إطار واسع ضمن حركة المجتمع المدني، باسم «الحركة الهندية المناوئة للفساد».
وعلى امتداد نحو 45 عاماً، عطّل حزب المؤتمر، إنفاذ الإقرار التشريعي للائحة «لوك بال» التي تضمنت محددات ملزمة وإطاراً قانونياً لمحاربة الفساد.
لكنه سلم بضرورة اللائحة قبل نحو ثلاثة أشهر، أي بعد وقوع الفأس في الرأس، ليصبح للائحة، بعدئذٍ، أنياب ومخالب تطال «المقامات العليا».
فقد خسر «المؤتمر» أربع معارك انتخابية عامة كبرى، من بين خمس جرت لبرلمانات خمس ولايات، من بينها العاصمة دلهي.
وما حدث في الماضي، أن طوي مشروع «لاك بال» فترعرع الفاسدون وتناسلوا وأحسوا بالأمان، حتى خرج من رحم الغانديّة ناسكٌ مثابر وعنيد، اسمه «آنا هازار» بادر إلى الإعلان عن الصوم المديد، أمام البرلمان، إلى حين إقرار اللائحة.
وسرعان ما سرت فكرته في البلاد كما تسري النار في الهشيم.
كسروا صيامه بإقرار مبدئي للمشروع، ثم تحدثوا عن تعديلات في صلاحيات الهيئة في القراءة النهائية، فأعلن «هازار» عن استعداده للعودة إلى الصوم.
وفي أجواء السجال، بدأت وقائع الانتخابات العامة في دلهي وراجستان وماديا براديش، تسفر عن نتائج كارثية دون أن يسعف الحزب فوزه في إحدى الولايات الصغيرة.
كانت نتائج العاصمة هي التي أوجعت «المؤتمر» إذ لم يحصل الحزب حاضنة التراث الغني لتجارب المهاتما غاندي ونهرو وإنديرا، إلا على ثمانية مقاعد من بين الـ43 التي فاز بها في انتخابات 2008.
والأنكى في هذه النتيجة، أن المقاعد الخمسة، من بين الثمانية التي أفلت بها الحزب في دلهي، جاءت من جمهور الناخبين المسلمين في أحيائهم، ما يجعل المؤشر واضحاً في التأكيد على أن وضع حزب المؤتمر، سيكون بائساً في مناطق الكثافة الهندوسية عندما تُجرى الانتخابات العامة!الآن، وقبل موعد هذه الانتخابات المقرر بدؤها في السابع من شهر أبريل المقبل حتى الثالث عشر شهر مايو المقبل؛ أصبح حزب المؤتمر بادي الترنح كبطة عرجاء.
فلم تستطع المستويات العليا للحزب، المنتشرة في الولايات، إضفاء صدقية على وعودها للأحزاب الولائية بمنحها مقاعد في البرلمان الاتحادي، وبالتالي لم يتبين أن الاصطفافات على مستوى الولايات ومرجعياتها الدينية والعرقية، قد بلغت نقطتها الحاسمة، وإن بدا واضحاً أن حزب المؤتمر لم يربح شيئاً من شأنه تحسين التوقعات لصالحه!معلوم أن الانتخابات العامة الهندية، تجرى كل خمس سنوات.
وتتعمد مفوضية الانتخابات الهندية، تنظيم العملية الانتخابية على عدة مراحل، وهذا ما ساعد على توافر الدقة للتوقعات، مع ضمان أداء أفضل للعملية الانتخابية التي تستوعب 814 مليوناً ونصف المليون ناخب، ما جعل الرقم أساساً لاعتبار الديموقراطية في الهند، الأكبر في العالم قاطبةً.
وتكمن المفارقة في هذا السياق، في أن المسلمين الذين يسترشدون بمرجعياتهم الدينية الأصولية في العموم، أصبحوا يميلون للحزب الهندوسي الأصولي، ما يدل على براعة الأخير في تهذيب وتشذيب لغته.
إن دهشة المفارقة تنشأ هنا، لكون مرشح «بهاراتيا جاناتا» لرئاسة الحكومة الاتحادية، هو نفسه «نارندرا مودي» رئيس حكومة ولاية «غوجارات» منذ العام 2001 والمتهم بالضلوع في قتل المسلمين، في أحداث العنف الدامي التي شهدتها الولاية في شهر آذار (مارس) 2002 وراح ضحيتها نحو ألفيْ مسلم! وكان الهاجس الأمني، عاملاً مهما في تخفيض شعبية الحكومة الحالية.
فقد سبق انفجار ثماني قنابل أثناء وجود «مودي» في «باتنا» عاصمة ولاية بيهار، وتسببت في مقتل خمسة أشخاص.
وفي هذا الخضم، انحازت صحف البلاد لحزب «بهاراتيا جاناتا» باستثناء جريدة «هندو» المحسوبة على حزب المؤتمر، الذي افتقر لخطط الاتصال بين أقطابه في بلد شاسع، وكأنما «راهول راجيف غاندي» نائب رئيسة المؤتمر كان يلعب بالأوراق لوحده حسب وصف المراقبين!
مؤشرات الانتخابات الهندية
عدلي صادق4 دقائق للقراءة

حجم الخط
