الحاجة مريم امرأة في العقد السادس من عمرها، فهي منذ توفي زوجها وخلف لها خمسة من الأبناء اعتمدت على نفسها وشمرت عن ساعديها لتربيتهم وتعليمهم بأن اتخذت لها (دكانة) صغيرة بوسط السوق لبيع المستلزمات النسائية لتوفر مصروفهم وتهيئ لهم الحياة الكريمة من غير «أن تسال الناس إلحافا، أعطوها أو منعوها»، إذن هي مثال للمرأة العصامية التي كرست كل حياتها لأبنائها.
مضى على وفاة زوجها عشرون عاما، تقدم لها عدد من الخاطبين الأثرياء طمعا في جمالها والقرب منها – لكنها كانت تقابل ذلك بالرفض – وفاء لزوجها، وفضلت أن تعيش على ذكرى الأيام الجميلة والمواقف السعيدة والأحلام والأمنيات التي كثيرا ما كان يعدها بها، لكن المنية اغتالت كل هذه الوعود الخضراء والأمسيات الحميمة.
كانت تأتيها بعض الإعانات من أهل الخير والجمعيات الخيرية، وديوان الزكاة، بالإضافة لتجارتها الرابحة، وخاصة أنها تمتعت بسمعة حسنة وأخلاق طيبة متمثلة قول: الرسول الكريم، صلي الله عليه وسلم: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع وسمحا إذا اشترى وسمحا إذا قضى واقتضى».
كانت صادقة في كل تعاملاتها، لا تغش سلعة، ولا تطفف كيلا، فبارك الله لها في تجارتها، وتوسعت أرباحها - فعلمت أبناءها خير تعليم وأدبتهم أحسن تأديب، وغرست فيهم الأخلاق النبيلة والصفات الحميدة.
كبر أبناؤها وتخرجوا في الجامعات والتحقوا بالعمل في مؤسسات القطاع العام والخاص، وانتقلوا من بيتهم «الصغير» في الحي الشعبي، وطلبوا منها أن تترك العمل في «الدكانة»! إلا أنها أصرت على ممارسة المهنة التي ارتبطت بها، والنساء اللائي أحببنها.
ولما رأى الأبناء منها هذا الإصرار لم يضغطوا عليها، بل تركوها تمارس هوايتها وهم يتحلقون حولها بحب واحترام.
دكان الحاجة مريم
2 دقائق للقراءة

حجم الخط
