في ظل هشاشة ثقافة الاستقالة من المراكز الوظيفية العليا، التي تزيد حولها ملاحظات ضعف الأداء ويطوقها التذمر، وأحيانا الخصام بين شاغليها والمواطنين حد الجفاء، يحرك ترقب التشكيل الوزاري في أي قطر من الوطن العربي الشارع على الدوام ويملؤه بالتخمينات، ويسحب الأحاديث إلى كل زوايا الأمنيات.
وحدوثه -أي التشكيل الوزاري- عادة ما «يعدل المزاج العام» ويضبطه على ساعة الارتياح ولو إلى حين.
هذا ما أعتقد سريانه عطفا على ما تركته خلفها دورة الزمن وما ينبئ به حاضر الأيام، وعين المتابع لأوضاع العالم العربي في هذا المجال لا يمكن أن تخطئ هذه الظاهرة المستمرة في النمو رغم كل المحاذير المرتبطة بأسباب تكوينها.
الاستثناء حالة نادرة، الكل أو السواد الأعظم على الخارطة العربية يتوق إلى التغييرات الوزارية من حين إلى حين، وهذا ملموس في ردة أي فعل على هامش فتح صندوق هموم المواطن ذكرا أو أنثى، الترقب هو ذاته، والفرحة هي الفرحة، والآمال هي الآمال، والدهشة من طول أمد بقاء بعض الوزراء من حمالة الحقائب الخدمية تحديدا هي الدهشة، والقاسم المشترك في الرأي العام هو أن تجديد عروق الحكومات بالتشكيلات الوزارية مهم لدفع عمليات النهوض بالأوضاع التي يرى المواطن أنها في حالة تراخٍ متقدمة في بعض الجوانب التي تمس رعايته وخدماته ويتوقع تأثيرها على مستقبله.
مثل هذا الانطباع الذي بات يصبغ الذهنية العربية العامة هنا وهناك، يقول إن الدخول إلى «قلب» المواطن العربي يأتي من «مطبخ» التغيير الوزاري، ولست بحاجة إلى مزيد من الإيضاح، كل مواطن عربي يلتفت حوله، يصارح نفسه ويسألها بتجرد لتحديد موقفه.
والمحلل والباحث الذي لا تغريه الأحكام العامة المستقاة بعفوية من نبض مسارات الحياة العامة مدعو لفتح ملفات الشكاوى المتخمة بصرخات المواطنين (العرب) وعبراتهم المخلوطة بالدموع أحيانا كثيرة.
وله -أي الباحث أو المحلل- أن يتأمل طبيعة العلاقة السائدة بين المواطنين والجهات المعنية برعايتهم وخدماتهم، وله أن يبني توقعات «الانتماء» مدا وانحسارا على ضوء المعطيات.
يبقى من غير المرجح في كل الأحوال أن يتم تغير مواقف غالبية الناس بعد أن تشكلت إزاء رداءة أداء مسؤول أو وزير لهم معه تجربة فاشلة أو أكثر، ومن غير المرجح أن يسرهم «تمديد فترة بقائه» على رأس الوزارة أو المصلحة الحكومية مرة أخرى، المرجح أكثر أن تزيد ضغينة المواطنين ويلقون باللوم على غيره، ولا يستبعد حدوث الاحتقان..هنا يكون من الصعب اختزال وصف الحالة حدوثا وآثارا مترتبة في أسطر، لكن من الواضح جدا أن طبيعة العلاقة بين المواطن العربي فردا وجماعة وبعض الوزارات والمصالح الحكومية المعنية بشؤونه مرهونة بمستوى رضاه، وقياس الرضا لا يحدث بسهولة لكن عدم رضاه يمكن قياسه بيسر ولو من خلال صوته العالي في البرامج الحوارية الاجتماعية ومستوى الشكاوى والطلبات التي تستقبلها الجهات الأعلى.
نعم هناك من يرى أن متابعة شؤونه الخاصة أهم من ترقب التغيرات الوظيفية سواء كانت على مستوى وزاري أو خلافه وهم قلة قليلة، أرى أنهم خليط من أصحاب رؤوس الأموال المنتفخة المتنقلة هنا وهناك بأدواتها الخاصة القادرة على تفكيك كل الحقائب، وبعض الفئات القابعة تحت خط الفقر المنشغلة بتجميع لقمة العيش اليومية، غير أن هذه الحالة ومثلها في حكم المحصور ولا تبرر استمرار عتمة الوضع القائم.
الجدير بالذكر والتذكير في الختام، هو أن سعادة المواطن تتكون في البدء من التفات الحكومة -أي حكومة- إلى كل ما يضيق عليه، ومعالجة كل ما يزعجه.
ماذا يعني سحب حقيبة المسؤولية وحجب الثقة عمن يمثلها أمامه مقابل ضمان سعادته، سعادة المواطن هي «القوة» التي تعزز الجبهة الداخلية مقابل كل التحديات.

[email protected]