"أجوسُ في الطين.. أغدو خالقا قلقا كأنما الطينُ من خلاقه انفطرَ" هكذا تتجلى شاعرية علي بافقيه في أحد نصوصه الموسومة بـ "الخزاف"، ليطل علينا من خلال هذا اللقاء بعد غياب طويل عن الساحة الشعرية، لينفي وجود صراع فكري بين التيار الديني المتشدد وتيار الحداثة الأدبية في السعودية إبان فترة الثمانينات والتسعينات الميلادية، مؤكدا أن الساحة النقدية خسرت ناقدا فذا كسعيد السريحي بعد توجهه للصحافة، وملمحا إلى أن محاولات الغذامي والبليهي في النقد الثقافي لم تنضج بعد.
1 • يتساءل المتابع للحركة الشعرية عن سبب اختفائك فترة ليست بالقصيرة بينما كان مجايلوك يسجلون حضورهم نشرا ومشاركات في المحافل الثقافية!
- أول 1980 حسمت أمري واخترت البعثة لأمريكا، وهكذا جاءت فترة الثمانينات وضجيجها وأنا بعيد عن الساحة إضافة إلى ابتعادي عن الصحافة.
2 • شهدت فترة الثمانينات حراكا شعريا خلاقا، وصراعا فكريا بين رموز الحداثة ورموز التيار الديني المتشدد، كيف تنظر إلى تلك الفترة وإفرازاتها بعد مرور أكثر من عقدين عليها؟
- ليته كان صراعا فكريا بين تيارات كما يشير السؤال، ما ظهر في الصحف والأشرطة والخلوات والخرجات والكتب ليس سوى جزء يسير من الحدث، الحقيقة أنه كان انقضاضا عدوانيا غبيا على كل شيء، وتأسيسا لما نعانيه الآن، بعد ثلاثين عاما من الهيمنة، من ترد وتخلف في كثير من جوانب الحياة الاجتماعية والتعليمية والسلوكية والأكاديمية والتدين السلبي والعدوانية الظاهرة في السلوك.
إنه انقضاض تكفيري أثبت وما يزال يثبت أن تيارا سياسيا في هذه المنطقة من العالم يستخدم الدين وسيلة لأغراض دنيوية سياسية والعياذ بالله، جاءتهم الفرصة بعد عملية جهيمان في الحرم، فاستكبروا على الجميع وفعلوا ما شاؤوا وأثبتوا فشلهم مثلما جاءت الفرصة للإخوان في مصر فاستكبروا على شركائهم في الساحات.
إنه إفلاس في الأمور الذهنية والدينية والإنسانية والأخلاقية، وهكذا أضعنا أكثر من 30 عاما في تخريب كل ما أمكن تخريبه ابتداء بالتعليم والسلوك والتفكير السوي وإلى آخره.
3 • كثير من الأسماء الشعرية الحداثية التي ظهرت في تلك الفترة، توارت أو انطفأت أو تصالحت بشكل أو بآخر مع المجتمع، ولم تستمر بذلك التمرد الشعري أو الحماس الإبداعي.. ما الأسباب في نظرك كشاعر ومتابع؟
- بعض تلك الأسماء أدت دورا إيجابيا لترسيخ القصيدة المحلية الحديثة، أما أن تكون توارت أو انطفأت فهذا له علاقة بتواريات وانطفاءات الساحة الأدبية، وقد يكون الصمت، أو ما تسميه التواري، إيجابيا للتأمل والابتعاد عن الثرثرة، ولا تنس أن البحث عن المعنى في ليله الطويل نقيض السلامة والطمأنينة والاجترار.
4 • تحول كثير من النقاد إلى الصحافة (السريحي مثلا) أو إلى النقد الثقافي (الغذامي مثلا) ما أدى إلى ضعف الحركة النقدية في المشهد المحلي، حيث أصبح لدينا نتاج إبداعي جميل، لا تواكبه حركة نقدية منهجية، ما تعليقك؟
- كان ذهاب السريحي للصحافة خسارة للمشهد الشعري المحلي، فهو أقرب ما يكون إلى العملية الشعرية، وأعتقد أن انقضاض الصحوة على الساحة وعلى المؤسسات التعليمية له دور جوهري في صياغة إجابة على هذا السؤال.
أما أن يذهب الأكاديميون إلى النقد الثقافي فأعتقد أنه أهم وأنفع للمجتمع، فقد تم خلال الثلاثين عاما الماضية تدمير الثقافة الاجتماعية العفوية المرنة والحيوية والمتطلعة للأمام والمتشوقة للجديد، وذلك بتدمير السلوك النبيل والدين القويم والتنوع الفكري والإبداعي والاجتماعي، ولذا فإننا بحاجة ماسة للنقد الثقافي، متمنيا أن يتم نقد محاولات الغذامي والبليهي، لكي تنضج عملية النقد الثقافي وتأخذ حيزا واسعا ويتبناها كثير من الكتاب والنقاد.

