قائمة التنظيمات والتيارات والجماعات المحظورة التي صدر بشأنها بيان وزارة الداخلية لم تكن مفاجئة أو مجهولة لدى السواد الأعظم من الناس، فالكل يتحدث عنها في المجالس الخاصة ويتم التصريح بها أحياناً في بعض وسائل الإعلام وكتابات الكتاب، وتمارس نشاطها علناً دون تصريح ضمن دائرة المسكوت عنه، وهم معروفون بالأسماء ومعروف تواصلهم وتغلغلهم في جميع الأوساط والإدارات، ويعملون فيما يشبه الرابطة القوية التي تخدم بعضها وتتكاتف مع بعضها، وتشن الحملات الإدارية والإعلامية بشكل منظم وذكاء شديد، ويتحدث الناس فيما بينهم عن سطوة هذه الجماعة أو تلك وتمكنها في بعض المفاصل الإدارية والمجتمعية، وكان السؤال الحائر الذي يتردد ولا يلقى جواباً دائماً: هل الدولة تعلم؟ وهل يتم ذلك كله برضا المسؤولين أو بعضهم؟ وهل هم أدوات معلنة لأجندات خفية داخلية وخارجية؟ وهل يمكن الوقوف في وجههم أو الصمود أمام تكتلهم في وجه المخالف؟

عندما كشف الإرهاب قناعه في السعودية في ربيع 2003 وبدأت عملياته وخرجت أعمال القاعدة من السر إلى العلن ومن دور المساندة إلى المواجهة انكشفت أسماء متطرفة كانت تمثل دور المنظر والمفكر والمحرض والداعم لشباب المتطرفين وربما يصل إلى التجنيد، وكانت لهم مواقع ومدونات يقولون خلالها كل ما يريدون تحت سمع الناس وبصرهم، وكان السؤال نفسه يتردد: هل يتم ذلك بمباركة الدولة؟ وبعلمها؟ أو هو أيضاً من المسكوت عنه؟ غير أن السؤال الأكبر الذي كان يدور في المجالس وفي أفئدة الناس: من هم المتنفذون الذين يقفون خلف هؤلاء الشباب ويعطونهم السطوة والحصانة والقوة؟ وعندما جاء الأمر الملكي القاضي بتشكيل لجنة من وزارة الداخلية والخارجية والشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد والعدل وديوان المظالم وهيئة التحقيق والادعاء العام لإعداد قائمة تحدث دورياً بالتيارات والجماعات، علم المواطنون والغيورون على وحدة الوطن وسلامته وأمنه أن الأمر بدأ يسير في مساره الصحيح، وإن كان متأخراً بعد أن تغلغل هؤلاء وامتدت جذورهم بعيداً في العمق وانتشرت في كل الإدارات والمؤسسات وقطاعات المجتمع، ولكن ماذا بعد البيان؟

لا شك في أن هناك أربعة مستويات لهذه التنظيمات:

الأول: وهم الأغلبية من الناس الذين لا علاقة لهم بها ولكن يدفعهم الشعور الديني الطاغي فينا جميعاً إلى الأخذ بكلام ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قبله العذاب ويجد مناخاً للقبول من بعض الأخطاء والمفاسد والممارسات والمظالم وتغذية الحاجة أو الشعور بالضيق، وتتخذ من بعض وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية طريقاً لزيادة الشعور بالنقمة والاعتراض على الأوضاع.
الثاني: مجموعة من المتعاطفين مع هذه الأفكار التي تبثها التنظيمات ويرون فيها خلاصاً مما هم فيه وحلاً للمشكلات التي يرونها أو يعيشونها ويرون في بعض الشعارات البراقة والتجارب الخارجية نموذجاً جيداً، ولكنهم مع ذلك لا يرتبطون بتنظيم أو حركة أو حزب، وإنما هو شعور عاطفي يترجم إلى بعض الكتابات أو التغريدات أو الشعارات ولا يتعدى الأمر ذلك.
الثالث: وهم مكمن الخطر، مجموعة ممن تشربوا أفكار هذه الجماعات والأحزاب والتنظيمات ويبثون أفكارهم سراً وعلانية وبطريقة ذكية ومواربة، فمنهم الإخواني السني الذي بايع المرشد سراً في القاهرة أو في الحرمين الشريفين أو في منزل بعض الأتباع تحت مظلة دعوة غداء أو عشاء، وبعض هذه الأسماء تتردد في المجالس ولكن بالطبع لا يمكن إثباتها لسريتها وإنما تسريبات من بعض شهودها، ومنهم الشيعي الذي يأتمر بأمر مراجعه في النجف وقم ويجند حركياً ويخضع للتدريب في العراق ولبنان والبحرين وقطر، ومنهم الملحد الذي لا يؤمن بدين أو أخلاق.
الرابع: قيادات هذه الجماعات وهي غالباً إما خارجية في قمة الهرم أو داخلية في الصف الثاني والثالث، وهم الأخطر إذ يتلبسون بلباس المصلحين والمشفقين على الأمة ودينها، يقولون كلاماً موارباً، ولكن انكشف كثير من الإخوانيين بعد صعود نجمهم في مصر وتونس وليبيا بعد الثورات العربية في خطبهم ومقالاتهم واجتماعاتهم وتغريداتهم كما انكشف حركيو الشيعة بعد حرب لبنان 2006 وبعد أحداث البحرين.
سيعمد كل هؤلاء بعد صدور البيان الأخير للداخلية الذي سمى لأول مرة الأشياء بأسمائها إلى الحركات الالتفافية كما حدث بعد مكافحة الإرهاب وقوائم المطلوبين والعمليات الأمنية الناجحة لدينا حين التزم بعضهم الصمت والبعض الآخر اتجه للتبرير، وأننا يجب ألا نحاسب الإرهابيين، وإنما نبحث عن الدوافع التي جعلت منهم إرهابيين وهو كالقول بأننا يجب أن نترك القاتل ونبحث عن السبب الذي جعله قاتلاً.
ومن الأساليب التي سنجدها في الفترة المقبلة ما حصل سابقاً عندما لبسوا الأقنعة وبدؤوا يتجهون إلى نقاط أخرى، وافتعال معركة منها كالجنادرية وعمل المرأة ومعرض الكتاب وقيادة المرأة وصورتها في الصحف وغيرها، يستخدمون كلمة الحق ويريدون بها الباطل لتهييج الناس وإثارة الفوضى وتقسيم المجتمع إلى خندقين يقاتل بعضه بعضاً، حتى إذا عمت الفوضى واختل الأمن وقتل الناس بعضهم بعضاً ظهروا لقطف الثمار، وليذهب المجتمع إلى الجحيم طالما وجدوا في ذلك مناخاً لهم.
وستظهر في الأيام المقبلة تحذيرات متوقعة من مكارثية جديدة، وأن حظر هذه الجماعات المتطرفة والإرهابية والإلحادية سيتخذ لتصفية الحسابات وظلم بعض الناس أو إقصائهم أو محاربتهم وهي أمور سبق ظهورها عام 2003 عندما بدأت عمليات مكافحة الإرهاب، وبعد أكثر من 10 سنوات علم الناس مكمن الخطر وأصل الداء دون أن تكون هناك مكارثية، ومع أن المخاوف مشروعة، والخوف من ظهور مزايدين على الوطنية ومتحدثين كذباً باسم الشريعة لتصفية المخالفين لهم يظل قائماً فإن اللائحة التنفيذية التي ستصدر ستحسم الأمر متى ما كانت واضحة ومفصلة وتحمي حقوق المواطنين أياً كانت أفكارهم واتجاهاتهم وآراؤهم طالما لم تتحول إلى تنظيم حركي يهدد أمن هذه البلاد وسلامتها ويمس قادتها وسلامة مواطنيها.

[email protected]