إلى أي حد استطاع أهل الخليج في الماضي أن يحققوا معنى توظيف البيئة في تحقيق حياة فاعلة حققت لهم قدرا كبيرا من التوازن المعيشي والإنتاجي؟هذا سؤال هام يستحق كثيرا من البحث والدراسة نظرا لكثرة التفاصيل التي تشير إلى قدرة أهل الخليج على تحقيق مستوى متقدم من استثمار عناصر البيئة استثمارا ناجحا وأصيلا.
ولعل قيمة الموضوع لا تستمد قوتها فقط من كونها تسجيلا لحقائق تشهد لأهل الخليج بالتفوق في هذا المضمار فحسب، بل الأهم من معرفة الماضي على روعته وبهائه هو الحاجة التي يفرضها الواقع اليوم على أهل الخليج الذين شهدوا تغيرات متلاحقة على مستوى النسيج الاجتماعي والاقتصادي والحياتي.
كانت الصورة قبل أربعة عقود مختلفة إلى حد كبير عن الصورة في العقود الأربعة المنصرمة ونتيجة هذا الاختلاف والتباين تصبح العودة للماضي مسألة بالغة الحيوية والأهمية لاستلهام تجارب الماضي والدروس الثمينة المستمدة منه.
صورة اليوم فيما يختص بالعلاقة التي تربط بين أهل الخليج وبيئتهم الطبيعية برا وبحرا لم تعد على الإطلاق تلك الصورة القائمة على التواصل والتجاوب والتقدير.
ولأن هذا المقال لا يبحث عن أعذار ولا يفتش كثيرا في الأسباب التي نتج عنها اهتزاز علاقة الإنسان الخليجي المعاصر ببيئته فإننا نكتفي فقط بالإشارة إلى أن سرعة التغيير التي داهمت حياة أهل الخليج تسببت بصورة مباشرة أحيانا وغير مباشرة في بعض الأحيان في ضعف علاقة الإنسان الخليجي بمقومات ومصادر البيئة الطبيعية التي وفرت لأجداده حياة تستحق الإشادة وتستثير الإعجاب.
علاقة ضعيفة أو مهزوزة أو واهية تلك التي يمكن وصفها لنوعية العلاقة التي تربط بين أهل الخليج الآن وبين بيئتهم.
فالبيئة الصحراوية الغنية بأنواع مختلفة من النباتات كانت مصدرا مهما للعيش في الماضي صارت اليوم تعاني من التصحر واختفاء كثير من مظاهر التنوع البيئي في حياة أهل الخليج.
والفرق كبير والبون واسع بين الصحراء والتصحر وبين البادية والزحف الأسود الذي اغتال في طريقه مئات الأنواع من النباتات المختلفة ما بين أشجار وشجيرات وأعشاب وحشائش تغنى بجمالها ذو الرمة وأنشد لها امرؤ القيس أبياتا ما زال محبو الشعر يترنمون بها دون ملل.
تلك الصحراء الحالمة الواهبة للحياة والمفعمة بأنواع الهبات الإلهية دفعت ضريبة باهظة للنمو العمراني الذي اندفعت آلاته في كل اتجاه تسابق الزمن وتبادر الوقت لتأسس واقع جديد حضر فيه الاسمنت والحديد وأجهز فيه على الآلاف من الأشجار المعمرة التي تجاوز عمر أغلبها عشرات الأعوام.
حضر الاسمنت والحديد وحضرت الجرافات والخلاطات والمعاول والأصباغ والمناشير والمسامير وكل ما هو ضار بالبيئة ومسيء للحياة الطبيعية في أرض الخليج.
بيوت الطين صارت ماضيا راح ويراد له أن يندرس، والعرش والبراجيل (مفردها بارجيل وهو مكيف الهواء العليل ووسيلة ذكية لتبريد المنزل بطريقة طبيعية) صارت دليلا على الفقر والعوز وماض يراد طيه على عجل!!ومع الرغبة في البيوت العصرية غابت الحكمة عن استلهام تجربة البيوت الطينية وما بها من مميزات تجل عن الحصر وتفوق على الوصف.
فالطين مادة طبيعية متوفرة في الخليج في مناطق متنوعة وقد برع أهل الخليج في الماضي وتفننوا في أنواع الصناعات الناتجة عن الفخار الذي مادته الأساسية الطين.
بيوت الطين عكست عبقرية الفرد الخليجي الذي أراد أن يبرد جسمه من حرارة الصيف، ويدفئ جسمه في الشتاء فكان الطين هو المادة الأساسية التي تتغير حرارتها صيفا وشتاء بما يتلاءم مع جسم الإنسان.
وإذا أردنا أن نعرف أكثر قيمة استخدام الموارد البيئية في حياتنا فما علينا إلا أن ننظر لأحدث ما وصلت إليه الدراسات العالمية التي أكدت أن موارد البيئة الطبيعية هي أكثر جدارة بالاستخدام في بيئتها الطبيعية لملاءمتها للظروف البيئية التي يوجد بها الإنسان حيثما كان.
العودة إلى اكتشاف كنوز البيئة وخيراتها دعوة حضارية عالمية لأن التناغم والتوازن هو الأداة التي جاد بها الخالق علينا يوم أن أنعم بخلقنا في أرض سخرها لنا (والأرض وضعها للإنام) صدق الله العظيم.
[email protected]