من سنن الله في خلق الإنسان أن جعله كائنا اجتماعيا لا يستطيع العيش وحده دون جماعة يتفاعل ويتعايش معها، ومن مستلزمات هذا التعايش أن يكون للإنسان مصالح مختلفة تتعارض وتتقاطع مع مصالح غيره، ومن مستلزماته أيضا أن يكون له علاقات اجتماعية مختلفة، وحتى تصان تلك المصالح وتحترم تلك العلاقات ولكي يسود السلم الاجتماعي، فُرضت الأعراف والتقاليد ثم جاءت بعدها القوانين والتشريعات سواء تلك التي جاءت بها الرسالات السماوية أو ما كان من وضع البشر أنفسهم والتي تهدف إلى صيانة الحقوق وضمان الحريات وتحقيق المصالح وفرض الأمن ليتم الحفاظ على التوازن وصولا إلى أن تسود الطمأنينة حياة المجتمع.
ولهذا فإن الخروج على هذا النسق يعتبر حدثا خطيرا من شأنه أن يهدد وحدة المجتمع ويقوض أركانه، ولذلك حاربت كل المجتمعات البشرية كل سلوك خارج عن اعرافها وقوانينها، ومع ذلك فإنه وإن كان الناس سواسية أمام مالهم من حقوق وما يفرض عليهم من واجبات وقرروا العيش في مجتمع منظم، فإن ظروف الحياة الاجتماعية تخلق ظروف واختلافات من شأنها إن تُركت دون معالجة أن تحدث اختلالات وأضرارا مختلفة.
وفي مجتمعنا نخضع لأعراف وتقاليد وقوانين ونسق اجتماعي خاص، شأننا في ذلك شأن بقية المجتمعات الأخرى، ولأننا بشر فإن مجتمعنا كذلك لا يخلو من بعض الظواهر غير المحمودة، والتي إن هي استمرت كما هي فإنها تنذر بخطر داهم سينعكس أثره السيئ على المجتمع بكافة أطيافه ومكوناته، ومن ذلك أنه عند كل تظاهرة ثقافية تعيشها بلادنا تتعالى الأصوات من هنا وهناك بين مؤيد ومعارض ومنتقد ومشجع ، ولا غضاضة في ذلك، ففي ظل ثقافة الاختلاف لكل الحق في أن يبدي وجهة نظره ويقدم رؤيته ويفصح عن رأيه، ولكن هذه الثقافة في مجتمعنا وتحت وطأت الموروث الاجتماعي بلغت من الضعف حدا صور للبعض أنهم دون غيرهم الأكثر فهما والأغزر علما وأنهم دون غيرهم الأقدر على معرفة الحق من الباطل، وأن على المجتمع بعمومه أن يسلم بما يقولون وما إليه يدعون.
وبطبيعة الحال نتج عن هذا الضعف في ثقافة الحوار أن نشأ في المجتمع تياران متضادان لكل منهما فكره وتوجهه وفلسفته الخاصة به، وليت هذا التضاد أو الاختلاف أنتج واقعا يمكن أن يؤسس لنشوء جيل يؤمن بأنه يجب أن يختلف لا للاختلاف ذاته بل للتنافس من أجل تحقيق مصلحة أهم وأكبر، هي مصلحة الوطن وبالتالي مصلحة المواطن، ولكنه بدلا من ذلك أذكى شرارة الخلاف، فانبرى كل فريق لمهاجمة الفريق الآخر، واتهامه في طرحه وتوجهه وذلك أما بتمسكه بأفكار رجعية عقيمة، أو بعادات وتقاليد بالية، أو بفكر تغريبي مستهجن هدفه نشر السوء ومحاربة الفضيلة، وليت أولئك المختلفين يدركون أن لكل رؤيته وأن هذا الاختلاف طبيعي وأنه أحد أهم أسباب الإثراء الفكري والمعرفي، ومن الشواهد على عدم إدراكهم لحقيقة الاختلاف ما نشهده في كل مرة يطل علينا فيها مهرجان الجنادرية للتراث والثقافة أو ينظم فيها معرض الكتاب كحدثين ثقافيين كبيرين أو غيرهما من الأحداث والفعاليات التي يشارك فيها الرجال والنساء على حد سواء، حيث يبدأ التراشق والقدح والتهكم، ومن العجيب أن يجير نجاح التظاهرة لصالح فكر دون الآخر وكأنما هو انتصار لفئة على الأخرى وليس نجاح للوطن وإنسانه ومؤسساته.
وفي ظل هذا الواقع نستذكر عبارة نرددها جميعا ونؤمن بها إلا أنها في الحقيقةلا تتعدى شفاهنا، فنحن نرددها قولا ونفشل في تطبيقها عملا (الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية) يظهر ذلك بوضوح عند طرح طرف محسوب على تيار أو توجه معين لفكرة أو رأي حول مسألة حادثة، فبدلا من انتقاد الفكرة أو الرأي ينقد الشخص، وهذا السلوك في حقيقته ممارسة للإقصاء وتضييق على الآخر في أن يعبر عن رأيه، ربما ينتصر رأي دون رأي ويتقدم تيار على الآخر، ولكن هذا الانتصار أو التقدم في حقيقته خسارة مؤكدة، فهو يذكي روح الفرقة ويزرع بذور الفتنة، ويجهض وحدة المجتمع ويقوض بنائه، فهل يعقل أولئك ما يفعلون وأي حماقة في حق المجتمع يرتكبون..؟

[email protected]