تدور الأيام وتنطوي الحقب الزمنية ولا يطلع علينا الصبح المنير بروعته وبهائه حتى يباغتنا المساء بظلمته وكسائه، فالعمر يمضي بسرعة مخيفة فلا تُمنّي جسداً من تراب بأماني لا قِبل له بها فإن العمر محدود ولابد له من نهاية، والجسد يبلى ولم تدرك بعد آمالك العريضة، فالربيع الأخضر متبوعٌ حتماً بخريف أصفر، والوقت يمر ويزحف ليطوي حِقباً زمنية بعضها تلو بعض، ويلتهم الأجيال جميعها جيلاً بعد جيل، لا يعبأ بأشخاصٍ أو مقاطعات أو ممالك أو إمبراطوريات، لا يعبأ بنفوذ ذلك أو صولجان ذاك يقوم من يقوم ويسقط من يسقط يرتفع أقوامٌ وينخفض آخرون، وهو سائر في طريقه المرسوم وقدره المحتوم.
يمر اليوم علي زيدٍ من الناس وقد لا يمر عليه غداً إلا وقد احتضنته الأرض بين جنباتها، يطوي صفحات من سجل العمر البشري قد ازدادت بهاءً وضياءً ونورانية بأعمالٍ صالحةٍ تطرّزها الورود وتطوف من حولها النسائم بعبقها الإيماني الذي تنشرح له الصدور وتغرد من حوله أسراب الطيور لتبعث ترانيم الأمل وتبشر بيومٍ جديد أشد بهاء وجمالاً وروعة.
وقد يمر الوقت على زيدٍ من الناس فيراه منغمساً في ملذات وشهوات تنقضي بعد هنيهة وتذهب أدراج الرياح ولا يبقى بعدها إلا شؤم الذنب ودنس المعصية وغفلة الضمير، فيتمخض عن هذه الكبوة الحسيرة رانٌ يجثم على القلب مخلّفاً فظاظة وغلظة كالجلمود الأصم يودي بشرايين الحياة في تخوم النفس البشرية ويتسرب إليها التثاقل إلى الأرض والاسترخاء والدعة في ساعة تحتاج منّا للجد.
إن الأوقات حتماً ستمر والعمر سينقضي بحُلوه ومُره على الفريقين، وكلٌ يعمل على شاكلته.
إن صندوق الأعمال كل يومٍ ينغلق على ما حوى فاجتهد أن تملأه بالطيب الحسن بدلاً من الخبيث القبيح وسارع إلى الراحة الأبدية وغالب الأنواء وانزل إلى معترك الحياة فكابد وثابر وكن كالغيث تمشي في ركابه الحياة، فالمسلم أينما وقع نفع نباتٌ طيب يخرج بإذن ربه ليكسو وجه الحياة بالعطاء والنماء والنصوص المقدسة تفضي لنا من سياقها البياني جميل النسق(إن لم يصبها وابلٌ فطل) فحينئذ يكفي الطل لإنبات ذلك النبات الطيب.
علينا أن ندرك أن بلاءات الدنيا سواء كانت حلوة أو مرة إنما هي كخرقة صقلٍ أُتيحت لنا لكي ننظف بها أنفسنا فنحيلها شفافة صافية برّاقة، فلا تجعل من الخطوب في حياتك نفقاً ضيقاً ومظلماً، وآمالك العريضة ستفر منك حتماً فرار الظل من السعي مهما ركضت وراءها، وإن أعرضْت عنها تبعتك لا محالة، فلنجتهد جميعاً على أن لا تذهب الرزايا بصفاء الروح فتحيلها سوداء كدرة، وعلى الإنسان أن لا يسير تحت الشمس بكأسٍ من جليدٍ فيفقده.
ومن هذا المنطلق فإن للوقت أهميته العظيمة (فالوقت هو الحياة) ومن دواعي العجب والتعجب أن نسمع قول القائل هيا لنضيّع بعض الوقت، إن ذلك هو التردي والانحدار بعينه في التفكير لتعطيل الخصائص الإيجابية والمعطيات والمواهب التي ترتفع بصاحبها ليتصدّر مكانةً كبرى بين الصفوة من العالمين ويتبوأ مكانته تحت الشمس، ولكنه الشطط عن طريق الفطرة والتحوّل مرة تلو الأخرى حتى يصير الإنسان في تيهٍ سحيق.
تعلِمُنا النصوص النبوية الشريفة الأهمية الكبيرة للوقت حينما قال عليه السلام (ويُسأل المرء عن شبابه فيما أبلاه وعمره فيما أفناه) فالعمر والشباب مرادفان للوقت وماهية الحياة وكينونتها تنبعث من الوجود البشري على ظهر هذا الكوكب.
إن الوقت يزحف بلا ضجيج لِيلْتهِمَ العمر البشري المحدود ينقض عليه كما ينقض الوحش على فريسته وهي في خضوعٍ تام ليس لها من أمرها شيء إلا الإذعان والانصياع والتسليم لأمرٍ قدريٍ محتوم.
كمثل نارٍ توقد في حصبٍ علي مداد البصر وينتهي بها الحال حتماً لتصير رماداً تحركه الرياح من فورانها ويأخذه الفناء الرهيب إلى واقعٍ تتألم من أجله كل النفوس قبل أن يقع ولكنه لا محالة واقع.
فالإنسان يفكر ويعاني ويكابد ويفرح ويزهو ويفتخر ويخفق وينتصر ويقدّر وتضحك الأقدار.
الوقت ينزف قطرة قطرة حتى ينفد ويأْذَن بالنهاية وحينها يُقْسِم الخلق ما لبثوا غير ساعة.
أليس من الأفضل أن ترى الخطب والنفق الضيق وما يعتريه من ابتلاءات فضاءا تملؤهُ الأنوار ليكون الأمل بالخلاص حلو المذاق، من هنا كان لزاما على كل واعٍ حصيف أن ينتبه إلى وقته المحدود على ظهر الكوكب السيّار الذي يعدو نحو النهاية زاحفا بلا ضجيج.
زحفٌ بلا ضجيج
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
